[عودة] الكلمة الخامسة والسبعون: خطر النميمة

الكلمة الخامسة والسبعون: خطر النميمة
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فإن النميمة من الذنوب العظيمة التي حذر الله ورسوله منها، وهي مرض عضال، وداء خبيث، يفسد في المجتمعات ويورث العداوة والبغضاء فيها، قَالَ تَعَالَى: {وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِين (10) هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيم (11)} [القلم: 10 - 11].
قال ابن كثير: {مَّشَّاء بِنَمِيم}: الذي يمشي بين الناس وَيُحَرِّشُ بينهم وينقل الحديث لفساد ذات البين، وهي الحالقة (¬1).
والنميمة كما بيَّنها النبي صلى اللهُ عليه وسلم هي نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد، روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رضي اللهُ عنه قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ مَا الْعَضْهُ؟ (¬2) هِيَ النَّمِيمَةُ الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ» (¬3).
قال أبو السعادات: «الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ»: أي: كثرة القول وإيقاع الخصومة بين الناس.
وذكر ابن عبد البر عن يحيى بن أبي كثير قال: يفسد النمام والكذاب في ساعة ما لا يفسد الساحر في سنة (¬4).
والنمام متوعَّد بعدم دخول الجنة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ هَمَّامِ بنِ الحَارِثِ قَالَ: «كُنَّا جُلُوسًا مَعَ حُذَيْفَةَ رضي اللهُ عنه فِي الْمَسْجِدِ، فَجَاءَ رَجُلٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْنَا، فَقِيلَ لِحُذَيْفَةَ: إِنَّ هَذَا يَرْفَعُ إِلَى السُّلْطَانِ أَشْيَاءَ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ - إِرَادَةَ أَنْ يُسْمِعَهُ -: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللهُ عليه وسلم يَقُولُ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ» (¬5).
قال ابن حجر: «القَتَّاتُ هو النَّمَّامُ، ووقع بلفظ: «نَمَّامٌ» في رواية أبي وائل عن حذيفة عند مسلم (¬6)، وقيل: الفرق بين القتات والنمام، أن النمام الذي يحضر القصة فينقلها، والقتات الذي يتسمع من حيث لا يُعلم به ثم ينقل ما سمعه» (¬7).
والنمام يعذب في قبره قبل يوم القيامة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي اللهُ عنهما أَنَّهُ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صلى اللهُ عليه وسلم عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ مِنْ كَبِيرٍ» ثُمَّ قَالَ: «بَلَى، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ» قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ عُودًا رَطْبًا فَكَسَرَهُ بِاثْنَتَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَبْرٍ، ثُمَّ قَالَ: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا» (¬8).
والنمام شر عباد الله، روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ غَنَمٍ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: «خِيَارُ عِبَادِ اللهِ الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ اللهُ، وَشِرَارُ عِبَادِ اللهِ الْمَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، الْبَاغُونَ الْبُرَآءَ الْعَنَتَ» (¬9).
والفرق بين الغيبة والنميمة: أن الغيبة هي التكلم خلف إنسان مستور بما هو فيه مما يكرهه، أما النميمة فهي نقل كلام صادر عن الغير بغية الإفساد، وعلى ذلك تكون الغيبة صادرة عن المغتاب في الأصل، أما النميمة فهي كلام صادر عن الغير، وكذلك الغيبة قد تباح في بعض الأحيان لغرض شرعي، أما النميمة فلم ينقل جواز إباحتها أحد.
قال الذهبي رحمه الله: «النميمة من الكبائر، وهي حرام بإجماع المسلمين، وقد تظاهرت على تحريمها الدلائل الشرعية من الكتاب والسنة، وقد أجاب عما يوهم أنها من الصغائر، وَهِيَ قَولُهُ صلى اللهُ عليه وسلم: «وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ»، بأن المراد ليس بكبير تركه عليهما أو ليس بكبير في زعمهما، ولهذا قيل في رواية أخرى: «بَلَى إِنَّهُ كَبِيرٌ» (¬10).
قال ابن حجر: «وجه كونه أي (النم) كبيرة ما فيه من الإفساد، وما يترتب عليه من المضار، والحكم على ما هو كذلك بأنه كبير ظاهر جلي» (¬11).
قال ابن حزم: «اتفقوا على تحريم الغيبة، والنميمة في غير النصيحة الواجبة وفيه دليل على أنها من الكبائر» (¬12).
قال الذهبي رحمه الله: «كل من حُملت إليه نميمة وقيل له: قال فيك فلان: كذا وكذا؛ لزمه ستة أحوال:
الأول: ألا يصدقه لأنه نمام فاسق وهو مردود الخبر.
الثاني: أن ينهاه عن ذلك وينصحه ويقبح فعله.
الثالث: أن يبغضه في الله عزَّ وجلَّ، فإنه بغيض عند الله، والبغض في الله واجب.
الرابع: ألا يظن في المنقول عنه السوء لِقَولِهِ تَعَالَى: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12].
الخامس: ألا يحمله ما حُكي له على التجسس والبحث عن تحقق ذلك مصداقًا لِقَولِهِ تَعَالَى {وَلاَ تَجَسَّسُوا}.
السادس: ألا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه، فلا يحكي نميمته.
وتكمن خطورة النمام في أنه يقل الاحتراز منه؛ لأنه يأتي في صورة الناصح المشفق، فإن صدقته تحقق حينئذ ما يريده النمام من الإفساد، قال ابن حزم: «من جاء إليك بباطل رجع من عندك بحق، وذلك أن من نقل إليك كذبًا عن إنسان حرك طبعك فأجبته فرجع عنك بحق، فتحفظ من هذا ولا تجب إلا عن كلام صح عندك عن قائله» (¬13).
والنمَّامون كثيرون ومن أشدهم خطرًا: طائفة جعلت مهنتها الوقيعة بين العلماء والحكام، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ رضي اللهُ عنه قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم نَاسًا فِي الْقِسْمَةِ، فَأَعْطَى الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَعْطَى أُنَاسًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ وَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: وَاللهِ إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا، وَمَا أُرِيدَ فِيهَا وَجْهُ اللهِ، قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللهِ لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ، قَالَ: فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ حَتَّى كَانَ كَالصِّرْفِ، ثُمَّ قَالَ: فَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ يَعْدِلِ اللهُ وَرَسُولُهُ؟! قَالَ: ثُمَّ قَالَ: يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ، قَالَ: قُلْتُ: لَا جَرَمَ لَا أَرْفَعُ إِلَيْهِ بَعْدَهَا حَدِيثًا (¬14).
وهذا المعنى الذي آثر ابن مسعود المصير إليه؛ جاء في حديث ضعَّفه بعض أهل العلم وجاء فيه: «لَا يُبَلِّغْنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ» (¬15).
وطائفة أخرى أكل الحسد قلوبها، فلا تكاد ترى زوجين أو صديقين متآلفين إلا سعت للتفريق بينهما بالنميمة، كل ذلك في لباس النصح والإشفاق.
وروي عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله: أنه دخل عليه رجل فذكر له عن رجل شيئًا، فقال له عمر: إن شئت نظرنا في أمرك فإن كنت كاذبًا فأنت من أهل هذه الآية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6]. وإن كنت صادقًا فأنت من أهل هذه الآية: {هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيم (11)}، وإن شئت عفونا عنك، فقال: العفو يا أمير المؤمنين لا أعود إليه أبدًا (¬16).
قال الحسن البصري: من نَمَّ إِلَيكَ نَمَّ عَلَيكَ.
ومما تعالج به النميمة: أن يعلم النمام أنه معرض نفسه لسخط الله تعالى وعقوبته، وأنها تحبط الحسنات، وأن يتدبر المرء في عيوبه ويجتهد في التطهر منها، وأن يعلم أن تأذي غيره بالغيبة أو بالنميمة كتأذيه بها فكيف يرضى لغيره ما يتأذى به، قال الشاعر:
تَنَحَّ عَنِ النَّمِيمَةِ وَاجْتَنِبْهَا
فَإِنَّ النَّمَّ يُحْبِطُ كُلَّ أَجْرِ
يُثِيرُ أَخُو النَّمِيمَةِ كُلَّ شَرٍّ
وَيَكْشِفُ لِلخَلَائِقِ كُلَّ سِرِّ
وَيَقْتُلُ نَفْسَهُ وَسِوَاهُ ظُلْمًا
وَلَيْسَ النَّمُّ مِنْ أَفْعَالِ حُرِّ
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
¬_________
(¬1) «تفسير ابن كثير» (14/ 89).
(¬2) العضة: رُوِيَت هذه اللفظة على وجهين، أحدهما: العِضَة بكسر العين وفتح الضاد على وزن العِدَة وهي الأشهر في كتب اللغة، والثاني: العَضْه بفتح العين وسكون الضاد على وزن الوَجْه وهو الأشهر في كتب الحديث. والمعنى: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ مَا الْعَضْهُ؟»
الفاحش الغليظ التحريم.
(¬3) «صحيح مسلم» (برقم 2606).
(¬4) «فتح المجيد شرح كتاب التوحيد» (ص320).
(¬5) «صحيح البخاري» (برقم 6056)، و «صحيح مسلم» (برقم 105).
(¬6) «صحيح مسلم» (برقم 105).
(¬7) «فتح الباري» (10/ 473).
(¬8) «صحيح البخاري» (برقم 1378)، و «صحيح مسلم» (برقم 292).
(¬9) «مسند الإمام أحمد» (29/ 521) (برقم 17998)، وقال محققوه: حسن بشواهده.
(¬10) «الكبائر» (ص160)، بتصرُّف.
(¬11) «الزواجر» (2/ 572).
(¬12) «مراتب الإجماع» (ص156).
(¬13) «الأخلاق والسير في مداواة النفوس» لابن حزم (ص37).
(¬14) «صحيح البخاري» (برقم 3150)، و «صحيح مسلم» (برقم 1062) واللفظ له.
(¬15) «سنن أبي داود» (برقم 4860).
(¬16) «الكبائر» للذهبي (ص160).