[عودة] الكلمة الثالثة والسبعون: السواك

الكلمة الثالثة والسبعون: السواك
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فمن السنن المؤكَّدة التي غفل عنها كثير من الناس: السواك، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين (222)} [البقرة: 222]. روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ» (¬1).
والسواك طهارة لفم الإنسان مما يصيبه من بقايا الطعام، ومرضاة للرب، روى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ رضي اللهُ عنها: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» (¬2).
وقد حثَّ النبي صلى اللهُ عليه وسلم أمَّته على السواك، فروى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» (¬3).
وروى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ أَنَسٍ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: «أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ فِي السِّوَاكِ» (¬4).
وروى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ وَاثِلَةَ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: «أُمِرْتُ بِالسِّوَاكِ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيَّ» (¬5).
ويتأكد السواك في مواضع عديدة منها:
أولًا: عند كل صلاة فرضًا كان أم نفلًا، لما تقدَّم مِن حَدِيثِ النبي صلى اللهُ عليه وسلم الذي وَرَدَ فيه: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» (¬6).
ثانيًا: عند كل وضوء لِقَولِهِ صلى اللهُ عليه وسلم: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» (¬7).
ثالثًا: عند القيام من نوم الليل، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ حُذَيفَةَ بنِ اليَمَانِ رضي اللهُ عنهما قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم إِذَا قَامَ مِنَ الليلِ يَشُوصُ (¬8) فَاهُ بِالسِّوَاكِ» (¬9).
رابعًا: عند دخول البيت، روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ شُرَيْحِ بنِ هَانِىءٍ قَالَ: «قُلْتُ لِعَائِشَةَ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَبْدَأُ النَّبِيُّ صلى اللهُ عليه وسلم إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَتْ: بِالسِّوَاكِ» (¬10).
خامسًا: تغير رائحة الفم مطلقًا لعموم ما تقدَّم من قَولِهِ صلى اللهُ عليه وسلم: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» (¬11).
سادسًا: كَانَ النَّبِيُّ صلى اللهُ عليه وسلم يُكثِرُ استِعمَالَ السِّوَاكِ وَهُوَ صَائِمٌ، فروى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ عَامِرِ بنِ رَبِيعَةَ رضي اللهُ عنه قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ مَا لَا أُحْصِي وَلَا أَعُدُّ» (¬12).
والذي يتأمل في حال النبي صلى اللهُ عليه وسلم يجده يحرص على السواك في كل وقت حتى عند احتضاره، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ رضي اللهُ عنها قَالَتْ: «دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم وَأَنَا مُسْنِدَتُهُ إِلَى صَدْرِي وَمَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سِوَاكٌ رَطْبٌ يَسْتَنُّ بِهِ فَأَبَدَّهُ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم بَصَرَهُ، فَأَخَذْتُ السِّوَاكَ فَقَصَمْتُهُ وَنَفَضْتُهُ وَطَيَّبْتُهُ ثُمَّ دَفَعْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم فَاسْتَنَّ بِهِ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم اسْتَنَّ اسْتِنَانًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ، فَمَا عَدَا أَنْ فَرَغَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم رَفَعَ يَدَهُ أَوْ إِصْبَعَهُ ثُمَّ قَالَ: فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى ثَلَاثًا ثُمَّ قَضَى» (¬13).
قال الصنعاني: «قد ذكر في السواك زيادة على مائة حديث، فَوَاعَجَبًا لِسُنَّةٍ تأتي فيها الأحاديث الكثيرة ثم يهملها كثير من الناس، بل كثير من الفقهاء، فهذه خيبة عظيمة» (¬14). اهـ.
ومن أسباب حرص النبي صلى اللهُ عليه وسلم على كثرة استعمال السواك؛ أنه صلى اللهُ عليه وسلم كان يكره أن توجد منه الرائحة، وإن مما يؤسف له تفريط البعض في التنبه لهذا الأمر مما ينتج عنه أذى المحادث والمجالس، والمصلي بسبب النتن الذي يخرج من أفواه هؤلاء وخاصة المدخنين ومن يتناول الأطعمة ذات الروائح الكريهة، مع توفر وسائل التطهر وسهولة الحصول عليها. وعلى هؤلاء أن يعلموا أنه لا يحل لهم الصلاة في المساجد مع جماعة المسلمين فضلًا عن غيرها من المجالس والاجتماعات، قال النبي صلى اللهُ عليه وسلم: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ - الثُّومِ - (وقَالَ مَرَّةً: مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ)، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» (¬15).
وأفضل أنواع السواك ما أخذ من شجر الأراك.
وقد قام باحثون بعمل أبحاث وتوصلوا إلى أن عصارة السواك تحتوي على مضادات طبيعية للبكتيريا المسببة لتسوس الأسنان، وأمراض اللثة، وأن الذين يستخدمون السواك أقل عرضة للإصابة بتسوس الأسنان وأمراض اللثة من الذين لا يستخدمونه ... وغيرها من الفوائد (¬16).
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
¬_________
(¬1) «صحيح مسلم» (برقم 223).
(¬2) «صحيح البخاري» (ص367)، كتاب الصوم: باب السواك الرطب واليابس للصائم.
(¬3) «صحيح البخاري» (برقم 887)، و «صحيح مسلم» (برقم 252) واللفظ له.
(¬4) «صحيح البخاري» (برقم 888).
(¬5) «مسند الإمام أحمد» (25/ 389) (برقم 16007)، وقال محققوه: حديث حسن لغيره.
(¬6) سبق تخريجه.
(¬7) «صحيح البخاري» (ص367)، كتاب الصوم: باب السواك الرطب واليابس للصائم.
(¬8) الشَّوْص: الدَّلْك.
(¬9) «صحيح البخاري» (برقم 245)، و «صحيح مسلم» (برقم 255).
(¬10) «صحيح مسلم» (برقم 253).
(¬11) «صحيح البخاري» (ص367)، كتاب الصوم: باب السواك الرطب واليابس للصائم.
(¬12) «صحيح البخاري» (ص367)، كتاب الصوم: باب السواك الرطب واليابس للصائم، مُعَلَّقًا بصيغة التمريض.
(¬13) صحيح البخاري» (برقم 4438)، و «صحيح مسلم» (برقم 2443).
(¬14) «سبل السلام» (1/ 175).
(¬15) «صحيح البخاري» (برقم 855)، و «صحيح مسلم» (برقم 564) واللفظ له.
(¬16) انظر: «السواك مطهرة للفم ومرضاة للرب»، للشيخ عبد الله بن محمد اليوسف.