[عودة] الكلمة الخامسة عشرة: قوة الإرادة

الكلمة الخامسة عشرة: قوة الإرادة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فمن الصفات المحمودة التي حث عليها الشرع «قوة الإرادة» وهي تهيؤ القلب والعقل بشدة وعزم لإحداث الفعل أو تركه (¬1).
وهي قوة العزيمة التي تحمل صاحبها على استسهال الصعاب واقتحام الشدائد لنيل الغرض المطلوب، قال الشاعر:
لَأَسْتَسْهِلَنَّ الصَّعْبَ أَو أُدْرِكَ المُنَى
فَمَا انْقَادَتِ الآمَالُ إِلَّا لِصَابِرٍ
ولا تكون هذه الصفة إلا في الكُمَّلِ من الرجال أهل القوة والعزم، قال الله تعالى لنبيه محمد صلى اللهُ عليه وسلم: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35]. وأصحاب العزائم القوية يتحقق لهم ما يشبه المستحيل من غيرهم، قال المتنبي:
عَلَى قَدْرِ أَهْلِ العَزْمِ تَاتِي العَزَائِمُ
وتَاتِي عَلَى قَدْرِ الكِرَامِ المَكَارِمُ
ويَعْظُمُ فِي عَيْنِ الصَّغِيرِ صِغَارُهَا
وَيَصغُرُ فِي عَيْنِ العَظِيمِ العَظَائِمُ
أما أصحاب الإرادات الضعيفة والعزائم الرخوة فإنه لا يكاد يتحقق لهم مراد، فكلما هموا بأمر ورأوا ما دونه من الصعاب والشدائد ارتخت عزائمهم وضعفت إرادتهم، وحال إيثارهم للراحة والدعة دون تحقيقه، قال الشاعر:
ومَنْ رَامَ العُلَا مِنْ غَيْرِ كَدٍّ
أَضَاعَ العُمرَ فِي طَلَبِ المُحَالِ
تَرُومُ العِزَّ ثُمَّ تَنَامُ لَيلًا
يَغُوصُ البَحرَ مَنْ طَلَبَ الَّلآلِي
وقد أثنى الله تعالى في كتابه في غيرما موضع على أصحاب الإرادة القوية والعزيمة النافذة، فقال تعالى لنبيه صلى اللهُ عليه وسلم منبهاً له في الاقتداء بهم: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَار (45)} [ص: 45]. وبها أمر ربنا تعالى نبي الله يحيى عليه السلام فقال: {يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم: 12]. وَمِنْ قَبْلُ أَمَرَ نبيه موسى عليه السلام حين أنزل عليه التوراة فقال: {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَامُرْ قَوْمَكَ يَاخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} [الأعراف: 145]. وفي العموم يقول تعالى: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ} [الأعراف: 171].
وقد أخبرنا جل وعلا في قصة أبينا آدم أنه أدخله الجنة وأذن له في التمتع بما فيها من النعيم إلا شجرة واحدة نهاه عن الأكل منها، فوسوس له إبليس وخادعه حتى أضعف إرادته، وحل من عزيمته، فأكل منها، فكان جزاؤه أن أُخْرِجَ من دار النعيم والحبور والسرور، وأُهْبِطَ إلى دار الأحزان والنكد والهموم والغموم، وفي ذلك يقول ربنا عزَّ وجلَّ: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115)} [طه: 115].
ولقد ضرب نبينا صلى اللهُ عليه وسلم أروع الأمثلة في قوة الإرادة ونفاذ العزيمة، فقد أتت قريش إلى أبي طالب عم النبي صلى اللهُ عليه وسلم فقالت: يا أبا طالب؛ أرأيت محمد يؤذينا في نادينا، وفي مسجدنا، فانهه عن أذانا، فقال: يا عقيل ائتني بمحمد، فذهبت فأتيته به، فقال: يا ابن أخي! إن بني عمك زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم وفي مسجدهم، فانته عن ذلك، قال: فلحظ رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم ببصره (وفي رواية: فعلق رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم ببصره) إلى السماء، فقال: «مَا أَنَا بِأَقْدَرَ عَلَى أَنْ أَرُدَّ ذَلِكَ مِنكُم عَلَى أَن تُشعِلُوا مِنهَا شُعلَةً - يعني: الشمس -» قال: فقال أبو طالب: والله ما كذبنا ابن أخي قط، فارجعوا (¬2).
وروى البخاري في صحيحه وأحمد في مسنده من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن النبي صلى اللهُ عليه وسلم قال في صلح الحديبية: «يَا وَيحَ قُرَيشٍ، لَقَد أَكَلَتهُمُ الحَربُ، مَاذَا عَلَيهِم لَو خَلَّوْا بَينِي وَبَينَ سَائِرِ النَّاسِ، فَإِنْ أَصَابُونِي كَانَ الَّذِي أَرَادُوا، وَإِنْ أَظهَرَنِي اللهُ عَلَيهِم، دَخَلُوا فِي الإِسلَامِ وَهُم وَافِرُونَ، وَإِنْ لَم يَفعَلُوا (¬3)، قَاتَلُوا وَبِهِم قُوَّةٌ، فَمَاذَا تَظُنُّ قُرَيشٌ، وَاللَّهِ إِنِّي لَا أَزَالُ أُجَاهِدُهُم عَلَى الَّذِي بَعَثَنِي اللهُ لَهُ حَتَّى يُظهِرَهُ اللهُ لَهُ، أَو تَنفَرِدَ هَذِهِ السَّالِفَةُ (¬4)» (¬5).
ومن مواقف أصحاب الإرادات القوية التي تُذكر وتُشكر، موقف الصديق رضي اللهُ عنه بعد وفاة النبي صلى اللهُ عليه وسلم عندما ارتدت قبائل العرب ومنعوا الزكاة وأشرأَبَّ النفاق، قالت عائشة: فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهَاضَهَا - أي: لَكَسَرَهَا بَعدَ جَبرِهَا -، وقال كلمته المشهورة: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عَقَالاً كانوا يؤدونه لرسول الله صلى اللهُ عليه وسلم لقاتلتهم على منعه (¬6).
ومن المشهور أيضاً موقف الإمام الجليل أحمد بن حنبل رحمه الله في فتنة القول بخلق القرآن، وللعلماء والأخيار مواقف جليلة تطلب في مظانِّها من كتب التواريخ والتراجم.
تنبيهات:
الأول: الإرادة القوية؛ منها المحمود والمذموم، فالمذموم أن تكون في الإقدام على أمور لم يتحقق فيها رضا الله سبحانه وتعالى أو أغراض شرعية، والممدوح عكس ذلك وركناه الذي لا يقوم إلا بهما: التقوى والصبر، قال تعالى: {وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور} [آل عمران: 186].
والتقوى لا بد أن تكون عن بصيرة، قال تعالى: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَار (45)} [ص: 45]. فالأبصار البصيرة في الدين الناتجة عن العلم والتقوى، والأيدي هي القوة.
الثاني: على من آتاه الله قوة الإرادة أن يعلم أن ذلك فضل من الله، المِنَّةُ له فيها وحده، فليشكر الله على ذلك وليعتمد عليه، بهذا جاء التوجيه الكريم للنبي صلى اللهُ عليه وسلم فقال تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين [آل عمران: 159].
الثالث: الحذر من التردد وغالباً ما يكون سببه نقص البصيرة، فإذا تحقق من الأمر الذي يريده فليعزم ولا يتردد، قال الشاعر:
إِذَا كُنتَ ذَا رَأيٍ فَكُن ذَا عَزِيمَةٍ
فَإِنَّ فَسَادَ الرَّأيِ أَن تَتَرَدَّدَا
وفي غزوة أُحد كان رأي النبي صلى اللهُ عليه وسلم البقاء في المدينة ومنازلة المشركين فيها، فلما أكثر عليه شباب الصحابة وعزم الخروج ولبس لامته للحرب، أُشير عليه بترك ذلك فأبى لما في التردد من فساد الأمور وضياع الرأي، فقال: «إِنَّهُ لَيسَ لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَأمَتَهُ (¬7) أَن يَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ» (¬8).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
¬_________
(¬1) موسوعة نضرة النعيم (8/ 3196).
(¬2) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (7/ 51) برقم (230) وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم 92.
(¬3) أي ما دخلوا في الإسلام عند غلبتي على سائر العرب، بل اختاروا القتال على دخول الإسلام.
(¬4) السالفة: صفحة العنق، والمراد أو أموت.
(¬5) صحيح البخاري برقم 2731 - 2732) ومسند الإمام أحمد (31/ 212) برقم 18910 وقال محققوه إسناده حسن واللفظ له.
(¬6) صحيح البخاري برقم 1400 وصحيح مسلم برقم 20.
(¬7) واللامة: الدرع، وقيل السلاح.
(¬8) مسند الإمام أحمد (23/ 100) برقم 14787 وقال محققوه صحيح لغيره وهذا إسناد على شرط مسلم.