[عودة] الكلمة الخامسة والستون: استقبال العام الجديد

الكلمة الخامسة والستون: استقبال العام الجديد
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد.
ففي هذه الأيام نودع عاماًَ مضى من أعمارنا، ونستقبل عاماً جديداً. فليت شعري ماذا أودعنا في العام الماضي، وبماذا نستقبل عامنا الجديد؟! قال الحافظ ابن كثير:
تَمُرُّ بِنَا الأيامُ تَترَى وإِنَّما
نُسَاقُ إلى الآجالِ والعَيْنُ تنظرُ
فَلا عائدٌ ذَاك الشبابُ الذي مَضَى
ولا زَائِلٌ هَذا الشَّيبُ المُكَدِّرُ
وعلى المؤمن أن يحاسب نفسه ويتداركها فإن كان مستقيماً على طاعة اللَّه فليحمد اللَّه وليسأل ربه الثبات. روى مسلم في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضي اللهُ عنهما أن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ» (¬1). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس رضي اللهُ عنه: كَانَ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» (¬2).
ومن كان منا مقصراً في طاعة اللَّه فليتدارك نفسه قبل فوات الأوان وليبادر إلى التوبة والإقلاع عن المعاصي والذنوب، قال تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون (31)} [النور].
قال عمر رضي اللهُ عنه: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتهيؤوا للعرض الأكبر على اللَّه».
وعمر الإنسان الذي لا يتجاوز عشرات معدودة من السنين سيسأل المرء عن كل جزئية من جزئياته، بل إن هذا من أصول الأسئلة التي توجه له يوم القيامة، روى الترمذي في سننه من حديث أبي برزة الأسلمي رضي اللهُ عنه أن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ؟» (¬3).
فيسأل عن عمره على وجه العموم وعن شبابه على وجه الخصوص، لأن الشباب هو محور القوة والنشاط وعليه الاعتماد في العمل أكثر من غيره من مراحل العمر.
وهذا الزمن من أفضل نعم اللَّه على عباده، روى البخاري في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن عباس رضي اللهُ عنهما أن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» (¬4).
والغبن أن يشتري الإنسان السلعة بأضعاف الثمن فمن صح بدنه وتفرغ من الأشغال العالقة به ولم يسع لإصلاح آخرته يقال عنه: إنه رجل مغبون.
وفي الحديث إشارة إلى أن الزمن نعمة كبرى لا يستفيد منها إلا الموفقون الأفذاذ وأن المستفيد قليل والكثير مفرط ومغبون.
روى الحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس رضي اللهُ عنهما أن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ» ذكر منها: «فَرَاغَكَ قَبْلَ شُغلِكَ، شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ» (¬5).
قال محمد الطليطلي:
خُذْ مِنْ شَبَابِكَ قَبْلَ المَوتِ والهَرَمِ
وبادِرِ التوبَ قَبْلَ الفوتِ والندمِ
واعْلَمْ بأَنَّكَ مَجْزِيٌّ ومُرتَهَنٌ
ورَاقِبِ اللَّهَ واحْذَر زَلَّةَ القدمِ
قال ابن القيم رحمه الله: «إن الواردات سريعة الزوال تمر أسرع من السحاب وينقضي الوقت بما فيه فلا يعود عليك منه إلا أثره وحكمه فاختر لنفسك ما يعود عليك من وقتك فإنه عائد عليك لا محالة، ولهذا يقال للسعداء: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَة (24)} [الحاقة]، ويقال للأشقياء: {ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُون (75)} [غافر]» (¬6).
وقال الشافعي رحمه الله: «صحبت الصوفية، فما انتفعت منهم إلا بكلمتين سمعتهم يقولون: الوقت سيف، فإن قطعته وإلا قطعك، ونفسك إن لم تشغلها بالحق وإلا شغلتك بالباطل» (¬7).
ومن تأمل أحوال السلف ومن سار على نهجهم وجدهم أحرص الناس على كسب الوقت وملئه بالخير، قال عبد اللَّه بن مسعود: ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي.
وقال الحسن البصري رحمه الله: يا ابن آدم إنما أنت أيام فإذا ذهب يومك فقد ذهب بعضك، وقال: أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم على دراهمكم ودنانيركم.
وقد ذكر اللَّه موقفين للمرء يندم فيهما على إضاعة الوقت.
الأول: عند ساعة الاحتضار حين يستدبر الإنسان الدنيا ويستقبل الآخرة يتمنى لو منح مهلة من الزمن وأُخر إلى أجل قريب، قال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُون (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَاءِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون (100)} [المؤمنون: 100 - 99].
الثاني: في الآخرة حيث تُوَفَّى كل نفس ما عملت ويدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، قال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُون (12)} [السجدة]. وقال تعالى: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَاتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُون (55) أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ} [الزمر: 55 - 56]. قال ابن كثير رحمه الله: أي يوم القيامة يتحسر المجرم المفرط في التوبة والإنابة ويود لو كان من المحسنين المخلصين المطيعين للَّه عزَّ وجلَّ (¬8). وفي الصحيحين في قصة الكبش الذي يذبح بين الجنة والنار ويقال: يَا أَهلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوتَ، وَيَا أَهلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوتَ، ثم قرأ النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قوله تعالى: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُون (39)} [مريم]، وأشار بيده إلى الدنيا (¬9).
فعلى العاقل أن يغتنم أيام حياته فما يدريه لعله لم يبق له منها إلا يسير.
قال القاضي ابن أبي عصرون:
أُؤملُ أَنْ أَحْيَا وفِي كلِّ ساعةٍ
تَمرُّ بِيَ المَوْتَى تَهُزُّ نُعُوشُها
ومَا أَنَا إلا مِنْهُم غَيْرَ أَنْ لِيَ
بَقايَا ليالٍ فِي الزمانِ أعيشُها
قال ابن القيم رحمه الله: «ما مضى من الدنيا أحلام وما بقي منها أماني والوقت ضائع بينهما» (¬10)، روى البخاري في صحيحه من حديث علي رضي اللهُ عنه أنه قال: «ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل» (¬11).
والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
¬_________
(¬1) ص 1065 برقم 2654.
(¬2) (19/ 160)، وقال محققوه: إسناده قوي على شرط مسلم وأصله في صحيح مسلم كما تقدم.
(¬3) ص396 برقم 2417، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(¬4) ص 1232 برقم 6412.
(¬5) (5/ 435) برقم 7916، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح الجامع الصغير (1/ 244) برقم 1077.
(¬6) مدارج السالكين (3/ 50) نقلاً عن كتاب جامع الآداب لابن القيم من كلام ابن القيم، تحقيق/يسري السيد محمد (1/ 384).
(¬7) مدارج السالكين (3/ 97).
(¬8) تفسير ابن كثير (12/ 145).
(¬9) ص 914 برقم 4730، وصحيح مسلم ص 1144 برقم 2849.
(¬10) الفوائد ص48.
(¬11) ص 1233 برقم 6416.