[عودة] الكلمة الثانية بعد المئة:من أداب اللباس

من أداب اللباس

الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فاللباس نعمة عظيمة من نعم الله الكثيرة على عباده، لستر العورات ووقاية من الحر والبرد وسائر الآفات، وقد وردت النصوص الشرعية بأحكامه مفصلة مبينة، وبينت القدر الواجب ستره، والمستحب من اللباس والمحرم، والمكروه، والمباح مقدارًا وكيفية.
وقد ذكر أهل العلم آداب اللباس في كتبهم والأدلة على ذلك فمنها:
وجوب ستر العورة؛ وهي ما يجب تغطيته ويقبح ظهوره، ويستحيا منه، قَالَ تَعَالَى: {يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ} [الأعراف: 26]. فتغطيته باللباس أمر واجب، وحد عورة الرجل الذكر: من السرة إلى الركبة، لما رواه الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ جَرْهَدٍ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم مَرَّ عَلَيهِ وَقَد كَشَفَ عَن فَخِذِهِ، فَقَالَ: «يَا جَرْهَدُ! غَطِّ فَخِذَكَ، فَإِنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ» . قال البخاري بعد ذكر الخلاف في المسألة: حديث جرهد أحوط .
أما المرأة: فقد وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قَولُهُ: «المَرأَةُ عَورَةٌ» ، وقد تقدم التفصيل في كلمة خاصة بلباس المرأة.
ومنها الابتعاد عن اللباس الرقيق الذي يصف بياض الجلد، وسواده وحمرته والذي يصف الخلقة أي الحجم لرجل وامرأة، قال ابن تميم: يكره الثوب الرقيق إذا وصف البدن ، قال المروذي: أمروني في منزل أبي عبد الله أن أشتري لهم ثوبًا، فقال: لا يكون رقيقًا أكره الرقيق للحي والميت، فإن الفخذ عورة .
ومنها: ألا يتشبه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال.
روى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي اللهُ عنهما قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ .
ومنها: تحريم الإسبال للرجال، سواءٌ كان ما يلبس إزارًا أو ثوبًا أو بشتًا أو سراويلَ أو قميصًا، روى أبو داود في سننه مِن حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ رضي اللهُ عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: «الإِسبَالُ فِي الإِزَارِ، وَالقَمِيصِ، وَالعِمَامَةِ، مَن جَرَّ مِنهَا شَيئًا خُيَلَاءَ، لَم يَنظُرِ اللهُ إِلَيهِ يَومَ القِيَامَةِ» .
وروى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ جَابِرٍ رضي اللهُ عنه مَرفُوعًا: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: «وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ، فَإِنَّ إِسْبَالَ الْإِزَارِ مِنَ الْمَخِيلَةِ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ» .
وظاهره أن مجرد الإسبال يستلزم الخيلاء ولو لم يقصد اللابس ذلك، وقد ورد الوعيد الشديد لمن أسبل إزاره تحت الكعبين، روى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: «مَا أَسفَلَ مِنَ الكَعبَينِ مِنَ الإِزَارِ فَفِي النَّارِ» .
ومنها تحريم ارتداء الملابس التي عليها صلبان، أو تصاوير، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ رضي اللهُ عنها: أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا النَّبِيُّ صلى اللهُ عليه وسلم قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْهُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهَةَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُوبُ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ مَاذَا أَذْنَبْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: «مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟» فَقَالَتْ: اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»، وَقَالَ: «إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ» .
وروى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حِطَّانَ: أَنَّ عَائِشَةَ رضي اللهُ عنها حَدَّثَتْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصَالِيبُ إِلَّا نَقَضَهُ .
قال الحجاوي: «فإذا منع من نصبه سترًا على الحائط وتعليقه فلأن يكون ممنوعًا لبسه أولى، لأن ذلك أكثرُ إكرامًا، وهذا أحد الوجهين في التحريم» .
ومنها تحريم لباس الشهرة، روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ رضي اللهُ عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ فِي الدُّنْيَا، أَلْبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
قال الحجاوي: «لأنه يزري بصاحبه وينقص مروءته، وفي الغنية من اللباس المنزه عنه: كل لبسة يكون بها مشتهرًا بين الناس كالخروج عن عادة أهل بلده، وعشيرته فينبغي أن يلبس ما يلبسون، لئلا يشار إليه بالأصابع ويكون ذلك سببًا إلى حملهم على غيبتهم له فيشركهم في إثم الغيبة له» .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وتكره الشهرة من الثياب وهو الترفع الخارج عن العادة، والمنخفض الخارج عن العادة، فإن السلف كانوا يكرهون الشهرتين المرتفع والمنخفض» . اهـ
قال ابن عبد البر: «كان يقال: كل من الطعام ما اشتهيت، والبس من الثياب ما اشتهى الناس» . قال الشاعر:
إِنَّ العُيُونَ رَمَتْكَ مُذْ فَاجَأْتَهَا
وَعَليْكَ مِنْ شُهْرِ الثِّيَابِ لِبَاسُ
أَمَّا الطَّعَامُ فَكُلْ لِنَفْسِكَ مَا اشْتَهَتْ
وَاجْعَلْ لِبَاسَكَ مَا اشْتَهَاهُ النَّاسُ
ومنها: تحريم الذهب والحرير على الرجال إلا لعذر، روى أبو داود في سننه مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم أَخَذَ حَرِيرًا فَجَعَلَهُ فِي يَمِينِهِ، وَأَخَذَ ذَهَبًا فَجَعَلَهُ فِي شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذَينِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي» .
ومنها: أن السنة التيامن عند لبس اللباس، روى البخاري ومسلم مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ رضي اللهُ عنها قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى اللهُ عليه وسلم يُعجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي طُهُورِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ .
قال النووي رحمه الله: «وهذه قاعدة مستمرة في الشرع وهي أَنَّ مَا كان من باب التكريم والتشريف كلبس الثوب، والسراويل، والخف، وغير ذلك مما هو في معناه، يستحب التيامن فيه وذلك كله لكرامة اليمين وشرفها» . اهـ
ومنها: أن السنة عند لبس الجديد أن يقول الدعاء الوارد في ذلك: «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمدُ أَنتَ كَسَوتَنِيهِ، أَسأَلُكَ خَيرَهُ وَخَيرَ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ» .
ومنها استحباب لبس البياض، روى أبو داود في سننه مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي اللهُ عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ، فَإِنَّهَا خَيْرُ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» .
ومنها النهي عن لبس الثوب المعصفر وهو المصبوغ بعصفر، روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو ابنِ العَاصِ رضي اللهُ عنهما قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ صلى اللهُ عليه وسلم عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: «إِنَّ هَذِهِ مِن ثِيَابِ الكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهَا» .
قال ابن حجر في فتح الباري بعدما ذكر أقوال أهل العلم في لبس الثوب الأحمر: «والتحقيق في هذا المقام: أن النهي عن لبس الأحمر إن كان من أجل أنه لبس الكفار، فالقول فيه كالقول في الميثرة الحمراء ، وإن كان من أجل أنه زي النساء فهو راجع إلى الزجر عن التشبه بالنساء فيكون النهي عنه لا لذاته، وإن كان من أجل الشهرة، أو خرم المروءة فيمنع حيث يقع ذلك، وإلا فيقوى ما ذهب إليه مالك من التفرقة بين المحافل والبيوت» .
ومنها استحباب إظهار النعمة في الملبس ونحوه، روى أبو داود في سننه مِن حَدِيثِ أَبِي الأَحْوَصِ عَن أَبِيهِ رضي اللهُ عنه قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم فِي ثَوْبٍ دُونٍ، فَقَالَ: «أَلَكَ مَالٌ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «مِنْ أَيِّ الْمَالِ؟» قَالَ: قَدْ آتَانِي اللهُ مِنَ الإِبِلِ، وَالْغَنَمِ، وَالْخَيْلِ، وَالرَّقِيقِ، قَالَ: «فَإِذَا آتَاكَ اللهُ مَالًا فَلْيُرَ أَثَرُ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْكَ وَكَرَامَتِهِ» .
ومنها الطيب، فقد كَانَ النَّبِيُّ صلى اللهُ عليه وسلم يحبه، فقد روى النسائي في سننه مِن حَدِيثِ أَنَسٍ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ» . وَكَانَ النَّبِيُّ صلى اللهُ عليه وسلم لاَ يَرُدُّ الطِّيبَ .
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.