[عودة] الكلمة الرابعة والأربعون

سورة التكوير رقم (2)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد..
قوله تعالى:﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ (25) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ (27) لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29)﴾.
قوله تعالى:﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ﴾ قد يظن بعض الناس أن لا نافية وليس كذلك؛ بل هي مثبتة للقسم ويؤتى بمثل هذا التركيب للتأكيد، فالمعنى: «أقسم بالخنس» وهي النجوم التي تخنس بالنهار أي يختفي ضوءها لضوء الشمس.
و(الجوار) جمع جارية وهي النجوم، «الكنس» جمع كانس أي التي تكنس أي تستر في مغيبها كما يأوي الظبي إلى كناسه وهو بيته.
قوله تعالى:﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ أي أدبر- وهذا قول أكثر المفسرين، وقيل «عسعس» أقبل، لأن اللفظ من قبيل المشترك ورُجح الثاني لمطابقته ما بعده وهو قوله «والصبح إذا تنفس»، ولا يبعد أن يكون المعنيان مقصودين لعدم تعارضهما، ولكل منهما شاهد في القرآن، قال تعالى: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ (1)﴾ [سورة الليل، آية رقم 1]، وقال سبحانه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33)﴾ [سورة المدثر، آية رقم: 33]. فيكون الله مقسمًا بالليل مقبلًا ومدبرًا.
قوله تعالى:﴿ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ أي بدت علائم الصبح، وانشق النور شيئًا فشيئًا حتى يستكمل وتطلع الشمس.
وإقسامه تعالى بهذه المخلوقات العظيمة، لما فيها من الدلالة على بديع حكمته وعظيم قدرته، وعظم المقسم به يدل على عظم المقسم عليه وهو قوله تعالى:﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ «أي القرآن».
الرسول الكريم هو جبريل وأضاف القول إليه لأنه الذي نزل بالقرآن، وملك كريم أي شريف حسن الخلق، بهي المنظر.
قوله تعالى:﴿ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ﴾ أي شديد الخلق، شديد البطش، رآه النبي صلى اللَّه عليه وسلم في ستة مئة جناح قد سد الأفق كله .
﴿ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ﴾ أي جبريل مقرب عند الله له منزلة رفيعة وخصيصة من الله اختص بها «مكين»، أي له مكانة ومنزلة فوق منازل الملائكة كلهم.
قوله تعالى: ﴿مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ﴾ أي جبريل مطاع في الملأ الأعلى، لأنه من الملائكة المقربين، نافذ فيهم أمره مطاع رأيه، «أمين» أي ذو أمانة وقيام بما أُمر به لا يزيد ولا ينقص، ولا يتعدى ما حد له، وهذا كله يدل على شرف القرآن عند الله تعالى، فإنه بعث به هذا الملك الكريم الموصوف بتلك الصفات الكاملة، والعادة أن الملوك لا ترسل الكريم عليها إلا في أهم المهمات وأشرف الرسائل.
ولما ذكر فضل الرسول الملكي الذي جاء بالقرآن، ذكر فضل الرسول البشري الذي نزل عليه القرآن ودعا إليه الناس فقال: ﴿ وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ﴾ وهو محمد صلى اللَّه عليه وسلم ﴿بِمَجْنُونٍ﴾ كما يقوله أعداؤه المكذبون برسالته المتقولون عليه (من) الأقوال التي يريدون أن يطفئوا بها ما جاء به بل هو أكمل الناس عقلًا، وأجزلهم رأيًا وأصدقهم لهجة.
قوله تعالى:﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ﴾ أي رأى محمد صلى اللَّه عليه وسلم جبريل بالأفق المبين الذي هو أعلى ما يلوح للبصر.
قوله تعالى:﴿ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ أي وما هو على ما أوحاه الله إليه بمتهم يزيد فيه أو ينقص أو يكتم بعضه، بل هو صلى اللَّه عليه وسلم أمين أهل السماء وأهل الأرض، الذي بلغ رسالات ربه البلاغ المبين فلم يشح بشيء منه عن غني ولا فقير ولا رئيس ولا مرؤوس ولا ذكر ولا أنثى ولا حضري ولا بدوي، ولذلك بعثه الله في جاهلية جهلاء فلم يمت صلى اللَّه عليه وسلم حتى كانوا علماء ربانيين وأحبارًا متفرسين، إليهم الغاية في العلوم وإليهم المنتهى في استخراج الدقائق والفهوم وهم الأساتذة وغيرهم قصاراه أن يكون من تلاميذهم.
قوله تعالى:﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ﴾ لما ذكر جلالة كتابه وفضله بذكر الرسولين الكريمين اللذين وصل إلى الناس على أيديهما، وأثنى الله عليهما بما أثنى، دفع عنه كل آفة ونقص مما يقدح في صدقه.
قوله تعالى:﴿ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ أي كيف يخطر هذا ببالكم؟ وأين عريت عنكم أذهانكم حتى جعلتم الحق الذي هو في أعلى درجات الصدق بمنزلة الكذب الذي هو أنزل ما يكون وأرذل وأسفل الباطل؟ هل هذا إلا من انقلاب الحقائق.
قوله تعالى: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ﴾ يتذكرون به ربهم وما له من صفات الكمال وما ينزه عنه من النقائص والرذائل والأمثال، ويتذكرون به الأوامر والنواهي وحكمها، ويتذكرون به الأحكام القدرية والشرعية والجزائية، وبالجملة يتذكرون به مصالح الدارين وينالون بالعمل به السعادتين.
قوله تعالى: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ بعدما تبين الرشد من الغي والهدى من الضلال.
قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ فمشيئته نافذة لا يمكن أن تعارض أو تمانع، وفي هذه الآية وأمثالها رد على فرقتي القدرية النفاة والقدرية المجبرة والله أعلم.
ومن فوائد السورة الكريمة:
«1- أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة لقوله تعالى: ﴿ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﴾ لأن في ذلك توبيخًا لوائدها، فقوله: ﴿ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ﴾ استفهام معناه نفي أن يكون لقتلها سبب من جهتها مما يدل على أن قتلها محض الظلم والعدوان والجهل.
2- نشر صحف الأعمال ليقرأ كل ما فيها مما أُحصي عليه.
3- الرد على الفلاسفة في زعمهم دوام هذا العالم، وأن الأفلاك – وهي السموات – لا تقبل الانشقاق والزوال.
4- تسعير النار وهو إيقادها تهيئة لأهلها، وفي هذا وعيد لهم.
5- تقريب الجنة حتى يراها أهلها، وفي هذا وعد وبشارة لهم.
6- إقسام الله بالخنس وهي النجوم إذا اختفت بالنهار دليل على قدرته سبحانه.
7- إقسام الله بالصبح إذا انشق في ظلام الليل يبشر بالنهار.
8- علو قدر جبريل عند الله لقوله﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ﴾.
9- ثناء الله على جبريل بسبع صفات وهي الرسالة والكرم والقوة والقرب من الله، والمنزلة العالية، والطاعة والأمانة.
10- الرد على غلاة الرافضة الذين يزعمون أن جبريل خان فحوَّل الرسالة عن علي رضي اللَّه عنه إلى محمد صلى اللَّه عليه وسلم.
11- فضل القرآن وعظم شأنه يدل لهذا ثناء الله على جبريل وهو الموكل بتنزيل القرآن، فإنه لا يُوكل العظيم إلا بعظيم.
12- تنزيه الرسول صلى اللَّه عليه وسلم من الجنون والبخل لقوله تعالى:﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ ﴾، وقوله:﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ﴾، على قرائتها بالضاد المعجمة» .
والحاصل أن هذه السورة عظيمة، فيها تذكرة وموعظة ينبغي للمؤمن أن يقرأها بتدبر وتمهل، وأن يتعظ بما فيها .
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.