[عودة] الكلمة السابعة والثلاثون : شرح حديث: «إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ » (2)

الكلمة السابعة والثلاثون
شرح حديث: «إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ » (2)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد..
فاستكمالًا لشرح حديث: «إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ».
المسألة الثانية: قولهﷺ: «وإنما الحلم بالتحلم»، والحلم هو: العفو والصفح عمن أساء إليك مع القدرة على الانتقام، وهو من الأخلاق الفاضلة التي لم ينل غايتها إلا القليل، وقد تكون هذه الخصلة جبلة للشخص، تفضل الله بها عليه، كما روى مسلم في صحيحه من حديث أشج عبد القيس قال: قال لي رسول اللهﷺ: «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ» ، وفي رواية قال: شَيْءٌ جُبِلْتُ عَلَيْهِ أَوْ شَيْءٌ أَتَخَلَّقُهُ؟ قَالَ: «بَلْ جُبِلْتَ عَلَيْهِ»، قَالَ: الْحَمْدُ لله .
وتحصل بالاكتساب، فبالتعلم يُنال الحلم، قال الأحنف ابن قيس: «إني لست بحليم، ولكني أتحالم».
وممن اشتهر بذلك، الصحابي الجليل سيد أهل البادية قيس بن عاصم المنقري التميمي، والأحنف بن قيس التميمي.
ومن عجيب ما جرى، ما ذكره الأحنف بن قيس، فقد قيل له: مما تعلمت الحلم؟ قال: من قيس بن عاصم، رأيته يومًا محتبيًًا، فأُتي برجل مكتوف وآخر مقتول، فقيل: هذا ابن أخيك قتل ابنك، فالتفت إلى ابن أخيه فقال: يابن أخي بئسما فعلت، أثمت بربك، وقطعت رحمك، ورميت نفسك بسهمك، ثم قال لابن آخر له: قم يا بُنَيَّ فوار أخاك وحُل كتاف ابن عمك، وسق إلى أمه مائة ناقة دية ابنها، فإنها غريبة .
ففي هذه وغيرها استحق رضي الله عنه أن يقال فيه:
عَلَيْكَ سَلَامُ اللَّهِ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ
وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَحَّمَا
وَمَا كَانَ قَيْسٌ هُلْكُهُ هُلْكٌ وَاحِدٌ
وَلَكِنَّهُ بُنْيَانُ قَوْمٍ تَهَدَّمَا
وإليك قصة وفوده على النبيﷺ وما فيها من الفوائد والعبر، روى البخاري في الأدب المفرد عن قيس بن عاصم السعدي قال: أتيت رسول اللهﷺ فقال: «هَذَا سَيِّدُ أَهْلِ الْوَبَرِ»، فقلت: يا رسول الله! ما المال الذي ليس عليّ فيه تبعة من طالب ولا من ضيف؟ فقال رسول اللهﷺ: «نِعْمَ الْمَالُ أَرْبَعُونَ، وَالأَكْثَرُ سِتُّونَ، وَوَيْلٌ لأَصْحَابِ الْمِئِينَ إِلا مَنْ أَعْطَى الْكَرِيمَةَ، وَمَنَحَ الْغَزِيرَةَ، وَنَحَرَ السَّمِينَةَ، فَأَكَلَ، وَأَطْعَمَ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ» .
قلت يا رسول الله! ما أكرم هذه الأخلاق، لا يحل بوادٍ أنا فيه من كثرة نَعَمي، فقال: «كَيْفَ تَصْنَعُ بِالْعَطِيَّةِ؟» قُلْتُ: أُعْطِي الْبَكْرَ ، وَأُعْطِي النَّابَ ، قَالَ: «كَيْفَ تَصْنَعُ فِي الْمَنِيحَةِ ؟» قَالَ: إِنِّي لأَمْنَحُ النَّاقَةَ، قَالَ: «كَيْفَ تَصْنَعُ فِي الطَّرُوقَةِ ؟» قَالَ: يَغْدُو النَّاسُ بِحِبَالِهِمْ، وَلا يُوزَعُ رَجُلٌ مِنْ جَمَلٍ يَخْتَطِمُهُ ، فَيُمْسِكُهُ مَا بَدَا لَهُ، حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَرُدَّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَمَالُكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمْ مَالُ مَوَالِيكَ؟» قَالَ: مَالِي، قَالَ: «فَإِنَّمَا لَكَ مِنْ مَالِكَ مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ أَعْطَيْتَ فَأَمْضَيْتَ، وَسَائِرُهُ لِمَوَالِيكَ».
فقلت: لا جرم، لئت رجعت لأقلن عددها. فلما حضره الموت جمع بنيه فقال: يا بني، خذوا عني؛ فإنكم لن تأخذوا عن أحد هو أنصح لكم مني، لا تنوحوا علي؛ فإن رسول اللهﷺ لم ينح عليه، وقد سمعت النبيﷺ ينهى عن النياحة، وكفنوني في ثيابي التي كنت أصلي فيها، وسوّدوا أكابركم؛ فإنك إذا سودتم أكابركم لم يزل لأبيكم فيكم خليفة، وإذا سوّدتم أصاغركم هان أكابركم على الناس، وزهدوا فيكم، وأصلحوا عيشكم؛ فإن فيه غنًى عن طلب الناس، وإياكم والمسألة؛ فإنها آخر كسب المرء.
وإذا دفنتموني فسووا علي قبري؛ فإنه كان يكون شيء بيني وبين هذا الحي من بكر بن وائل: خُمشات ، فلا آمن سفيهًا أن يأتي أمرًا يُدخل عليكم عيبًا في دينكم .
ومن الحلماء المشهورين: معاوية رضي الله عنه، وله في ذلك قصص مشهورة، وكان يقول: «لا حليم إلا ذو تجربة»، وذلك أن الحلم في ظاهره مذلة وعيب، ولكن مع التجارب وحسن النتائج تبين فضله وعظيم منزلته.
أما عن حلمهﷺ فذاك أمر لا تحويه القراطيس، ولا يحيط به بليغ الكلام، وبالنية إفراد التذكير به بكلمة مستقلة.
ملاحظـة:
قولهﷺ في الجملتين: إنما هذه تأتي للحصر، ولكن ليس ذلك على الإطلاق كما نبه على ذلك أهل الأصول واللغة.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.