[عودة] الكلمة السادسة عشر : فوائد من قصة نبي الله يوسف عليه السلام (1)

الكلمة السادسة عشرة
فوائد من قصة نبي الله يوسف عليه السلام (1)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد..
«هذه القصة من أعجب القصص، وذكرها الله جميعًا، وأفردها بسورة مطولة مفصلة تفصيلًا واضحًا، قراءتها تغني عن التفسير، فإن الله ساق بها حالة يوسف من ابتداء أمره إلى آخره، وما بين ذلك من التنقلات واختلاف الأحوال، وقال فيها: ﴿۞ لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ (7)﴾]يوسف:7]. فلنذكر ما يستنبط من هذه القصة العظيمة من الفوائد، فنقول مستعينين بالله:
ذكر ما فيها من الفوائد:
منها: أن هذه القصة من أحسن القصص وأوضحها؛ لما فيها من أنواع التنقلات من حال إلى حال، ومن محنة إلى محنة، ومن محنة إلى منحة ومنة، ومن ذل إلى عز، ومن أمن إلى خوف وبالعكس، ومن ملك إلى رق وبالعكس، ومن فرقة وشتات إلى انضمام وائتلاف وبالعكس، ومن سرور إلى حزن وبالعكس، ومن رخاء إلى جدب وبالعكس، ومن ضيق إلى سعة وبالعكس، ومن وصول إلى عواقب حميدة، فتبارك من قصها وجعلها عبرة لأولي الألباب.
ومنها: ما فيها من أصول تعبير الرؤيا المناسبة، وأن علم التعبير علم مهم يعطيه الله من يشاء من عباده، وأن أغلب ما تبنى عليه المناسبات وضرب الأمثال والمشابهة في الصفات.
فوجه مناسبة رؤيا يوسف أنه رأى الشمس والقمر والكواكب الأحد عشر ساجدين له، أن هذه زينة للسماء، وفيها منافعها، فكذلك الأنبياء والعلماء والأصفياء زينة الأرض، وبهم يهتدى في الظلمات كما يهتدى بالأنوار السماوية، ولأن أباه وأمه أصل، وإخوته فرع عنهما، فمن المناسب أن يكون الأصل أعظم نورًا وجِرمًا من الفرع؛ فلذلك كانت الشمس أمه أو أباه، والقمر الآخر منهما، والكواكب إخوته، ومن المناسب أن الساجد محترِم لمن سجد له، والمسجود له معظم محترم، فدل ذلك على أن يوسف يصير معظمًا محترمًا لأبويه وإخوته، ولا يتم هذا إلا بمقدمات تقتضي الوصول إلى هذا: من علوم وأعمال واجتباء من الله، فلهذا قال: ﴿وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ ]يوسف:6].
ومنها: المناسبة في رؤيا الفتيين، حيث عبر رؤيا من رأى أنه يعصر خمرًا أن الذي يعمل هذا العمل يكون في العادة خادمًا لغيره، وأيضًأ العصر مقصود لغيره، والخادم تابع لغيره، ويئول أيضًا إلى السقي الذي هو خدمته، فلذلك أوله بما يئول إليه، وأما تعبيره لرؤيا من رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزًا تأكل الطير منه، بأنه يقتل ويصلب مدة حتى تأكل الطير من مخ رأسه الذي هو يحمل.
وعبر رؤيا الملك بالبقرات والسنبلات بأنها السنون المخصبة والمجدبة، ووجه المناسبة أن الملك به ترتبط أمور الرعية ومصالحها، وبصلاحه تصلح، وبفساده تفسد، فهذه نسبته إذ رأى هو الرؤيا، وكذلك السنون بخصبها وجدبها تنتظم أمور المعاش أو تختل، والبقر هي آلة حرث الأرض واستخراج مغلها، والمغل هو الزرع، فرأى السبب والمسبب، فرؤيته السبع السمان من البقر ثم السبع العجاف، والسبع السنبلات الخضر، ثم السبع اليابسات، أي: لابد أن تتقدم السبع السنين المخصبات، ثم تتلوها المجدبات، وتأكل ما حصل فيها من غلال، ولا تبقي إلا شيئًا يحصنونه عنها، وإلا فهي بصدد أكلها كلها.
فإن قيل: من أين أخذ قوله: ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49) ﴾ ]يوسف:49]. فإن بعض المفسرين قال: هذه زيادة من يوسف في التعبير بوحي أوحي إليه.
فالجواب: ليس الأمر كذلك، وإنما أخذها من رؤيا الملك، فإن السنين المجدبة سبع فقط، فدل على أنه سيأتي بعدها عام عظيم الخصب، كثير البركات، يزيل الجدب العظيم الحاصل من السنين المجدبة التي لا يزيلها عام خصب عادي، بل لابد فيه من خصب خلاف العادة، وهذا واضح وهو من مفهوم العدد.
ومنها: ما فيها من الأدلة والبراهين على نبوة نبينا محمدﷺ؛ حيث قص عليه هذه القصة المفصلة المبسوطة الموافقة للواقع التي أتت بالمقصود كله، وهو لم يقرأ كتب الأولين، ولا دارس أحدًا كما هو معلوم لقومه، وهو بنفسه أُمي لا يقرأ ولا يكتب، ولهذا قال: ﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102)﴾ ]يوسف: 102 ].
ومنها: أنه ينبغي للعبد البعد عن أسباب الشر، وكتمان ما تخشى مضرته، لقول يعقوب ليوسف: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ ]يوسف:5].
ومنها: ذكر الإنسان بما يكره على وجه الصدق والنصيحة له أو لغيره، لقوله: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾.
ومنها: أن نعمة الله على العبد نعمة على من يتعلق به، ويتصل من أهل بيته وأقاربه وأصحابه، فإنه لابد أن يصلهم ويشملهم منها جانب، لقوله: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ﴾ ]يوسف:6 ]. أي: بما يحصل لك؛ ولهذا لما تمت النعمة على يوسف حصل لآل يعقوب من العز والتمكين والسرور، وزوال المكروه، وحصول المحبوب ما ذكر الله في آخر القصة.
ومنها: أن النعم الكبيرة الدينية والدنيوية لابد أن يتقدمها أسباب ووسائل إليها؛ لأن الله حكيم، وله سنن لا تتغير، قضى بأن المطالب العالية لا تُنال إلا بالأسباب النافعة، خصوصًا العلوم النافعة، وما يتفرع عنها من الأخلاق والأعمال؛ فلهذا عرف يعقوب أن وصول يوسف إلى تلك الحالة التي يخضع له فيها أبوه وأمه وإخوته مقام عظيم، ومرتبة عالية، وأنه لابد أن ييسر الله ليوسف من الوسائل ما يوصله إليها، ولهذا قال: ﴿وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ ] يوسف:6].
ومنها: أن العدل مطلوب في جميع الأمور الصغار والكبار؛ في معاملة السلطان لرعيته، ومعاملة الوالدين للأولاد، والقيام بحقوق الزوجات، وغير ذلك من المحبة والإيثار ونحوها، وأن القيام بالعدل في ذلك تستقيم الأمور صغارها وكبارها به، ويحصل للعبد ما أحب، وفي الإخلال بذلك تفسد الأحوال، ويحصل للعبد المكروه من حيث لا يشعر؛ لهذا لما قدم يعقوب عليه السلام يوسف في المحبة، وجعل وجهه له جرى منهم على أبيهم وأخيهم من المكروه ما جرى.
ومنها: الحذر من شؤوم الذنوب، فكم من ذنب واحد استتبع ذنوبًا كثيرة، وتسلسل الشر المؤسس على الذنب الأول، وانظر إلى جُرم إخوة يوسف، فإنهم لما أرادوا التفريق بينه وبين أبيه الذي هو من أعظم الجرائم، احتالوا على ذلك بعدة حيل، وكذبوا عدة مرات، وزوَّروا على أبيهم في القميص والدم الذي فيه، وفي صفة حالهم حين أتوا عشاء يبكون، ولابد أن الكلام في هذه القضية تسلسل وتشعب، بل ربما أنه اتصل إلى الاجتماع بيوسف، وكل ما بحث في هذه الموضوع فهو بحث كذب وزور مع استمرار أثر المصيبة على يعقوب، بل وعلى يوسف، فليحذر العبد من الذنوب، خصوصًا الذنوب المتسلسلة، وضد ذلك بعض الطاعات تكون طاعة واحدة، ولكن يتسلسل نفعها وبركاته حتى تستتبع طاعات من الفاعل وغيره، وهذا من أعظم آثار بركة الله للعبد في علمه وعمله.
ومنها: أن العبرة للعبد في حال كمال النهاية، لا بنقص البداية؛ فإن أولاد يعقوب عليه السلام جرى عليهم ما جرى في أول الأمر من الجرائم المتنوعة، ثم انتهى أمرهم إلى التوبة النصوح، والاعتراف التام، والعفو التام عنهم من يوسف ومن أبيهم، والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة، وإذا سمح العبد بحقه فالله أولى بذلك وهو خير الراحمين الغافرين، ولهذا في أصح الأقوال أن الله جعلهم أنبياء لمحو ما سبق منهم، وكأنه ما كان، ولقوله: ﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ ]البقرة:136].
وهم أولاد يعقوب الاثنا عشر وذريتهم، ومما يؤيد هذا أن رؤيا يوسف أنهم هم الكواكب التي فيها النور والهداية، وهي من صفات الأنبياء، فإن لم يكونوا أنبياء فإنهم علماء عباد.
ومنها: ما منَّ الله به على يوسف من العلم والحلم، والأخلاق الكاملة، والدعوة إلى الله وإلى دينه، وعفوه عن إخوته الخاطئين عفوًا بادرهم به، وتمَّم ذلك بأن أخبرهم أنه لا يُثرِّب عليهم بعد هذا العفو، ثم بره العظيم بأبيه وأمه وإحسانه على إخوته، وإحسانه على عموم الخلق، كما هو بيِّن في سيرته وقصته.
ومنها: أن بعض الشر أهون من بعض، وارتكاب أخف الضررين أولى من ارتكاب أعظمهما؛ فإن إخوة يوسف لما قالوا: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا ﴾ ]يوسف: 9]، وقال قائل منهم: ﴿ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (10)﴾ ]يوسف:10]؛ كان قوله أحسن منهم وأخف، وبسببه خف عن إخوته الإثم الأكبر، وهو من جملة الأسباب التي قدر الله ليوسف في وصوله إلى الغاية التي يريد.
ومنها: أن الشيء إذا تداولته الأيدي، وصار من جملة الأموال، ولم يعلم المعاملون أنه على غير وجه الشرع، فلا إثم على من باشره ببيع أو شراء أو خدمة أو انتفاع أو استعمال؛ فإن يوسف باعه إخوته بيعًا محرمًا عليهم، واشترته السيارة بناء على أنه عبد لإخوة يوسف البائعين، ثم ذهبوا به إلى مصر فباعوه بها، وبقي عند سيده غلامًا رقيقًا، وسماه الله سيدًا، وكان عندهم بمنزلة الرقيق المكرم، وسمى الله شراء السيارة وشراءه في مصر معاملة لما ذكرنا.
ومنها: الحذر من الخلوة بالنساء الأجنبيات، وخصوصًا اللاتي يُخشى منهن الفتنة، والحذر أيضًا من المحبة التي يخشى ضررها؛ فإن امرأة العزيز جرى منها ما جرى بسبب توحُّدها بيوسف، وحبها الشديد له الذي ما تركها حتى راودته تلك المراودة، ثم كذبت عليه فسجن ذلك السجن الطويل.
ومنها: أن الهم الذي هم به يوسف ثم تركه لله ولبرهان الإيمان الذي وضعه الله في قلبه مما يرقيه إلى الله زلفى؛ لأن الهم داع من دواعي النفس الأمارة بالسوء، وهو طبيعة طُبع عليه الآدمي، فإذا حصل الهم بالمعصية ولم يكن عند العبد ما يقاوم ذلك من الإيمان والخوف من الله وقع الذنب، وإن كان العبد مؤمنًا كامل الإيمان فإن الهم الطبيعي إذا قابله ذلك الإيمان الصحيح القوي منعه من ترتب أثره، ولو كان الداعي قويًّا، ولهذا كان يوسف من أعلى هذا النوع، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)﴾ ]يوسف:24].
لاستخلاص الله إياه، وقوة إيمانه وإخلاصه، خلصه الله من الوقوع في الذنب، فكان ممن خاف مقام ربه، ونهى النفس عن الهوى، ومن أعلى السبعة الذي يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فذكرﷺ منهم: «رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ» ، فهمّها لما كان لا معارض له استمرت في مراودته، وهمه عارض عرض، ثم زال في الحال ببرهان ربه.
ومنها: أن من دخل الإيمان قلبه ثم استنار بمعرفة ربه ونور الإيمان به، وكان مخلصًا لله في كل أحواله، فإن الله يدفع عنه ببرهان إيمانه وإخلاصه من أنواع السوء والفحشاء وأسباب المعاصي ما هو جزاء لإيمانه وإخلاصه؛ لأن الله علل صرف هذه الأمور عن يوسف بقوله: ﴿ ﴾ على قراءة من قرأها بكسر اللام ، ومن قرأها بالفتح – فإن من أخلصه الله واجتباه فلا بد أن يكون مخلِصًا – فالمعنيان متلازمان.
ومنها: أنه ينبغي للعبد إذا ابتلي بالوقوع في محل فيه فتنة وأسباب معصية أن يفر ويهرب غاية ما يمكنه؛ ليتمكن من التخلص من ذلك الشر، كما فر يوسف هاربًا للباب، وهي تمسك بثوبه وهو مدبر عنها.
ومنها: أن القرائن يُعمل بها عند الاشتباه في الدعاوى؛ وذلك أن الشاهد الذي شهد – أي: حكم على يوسف وعلى المرأة – اعتبر القرينة، فقال: ﴿ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ ﴾ ] يوسف:26 ]، إلى آخر القضية، وصار حكمه هذا موافقًا للصواب، ومن القرائن وجود الصواع على رحل الأخ، وقد اعتبر هذا وهذا.
ومنها: ما عليه يوسف من الجمال الباهر ظاهرًا وباطنًا؛ فإن جماله الظاهر أوجب لامرأة العزيز ما أوجب من الحب المفرط والمراودة المستمرة، ولما لامها النساء دعتهن ﴿ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)﴾ ]يوسف:31].
وأما جماله الباطن فهو العفة العظيمة مع وجود الدواعي الكثيرة لوقوع السوء منه، ولكن الإيمان ونوره، والإخلاص وقوته لا يشذ عنهما فضيلة، ولا تجامعهما رذيلة، وقد بينت امرأة العزيز للنساء من يوسف الأمرين؛ فإنها لما أرتهن جماله الظاهر الذي اعترفن أن هذا الجمال لا يوجد في الآدميين قالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ ]يوسف:32 ]، وقالت بعد ذلك: ﴿ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ﴾ ]يوسف:51].
ومنها: أن يوسف عليه السلام اختار السجن على المعصية، فهكذا إذا ابتلي العبد بأحد أمرين، إما أن يلجأ إلى فعل المعصية، وإما أن يعاقب عقوبة دنيوية، فعليه أن يختار العقوبة الدنيوية التي فيها الثواب من هذا الوجه بعدة أمور: ثواب من جهة اختياره الإيمان على السلامة من العقوبة الدنيوية، وثواب من جهة أن هذا من باب التخليص للمؤمن والتصفية، وهو يدخل في الجهاد في سبيل الله، وثواب من جهة المصيبة التي نالته والألم الذي أصابه، فسبحان من ينعم ببلائه، ويلطف بأصفيائه، وهذا أيضًا عنوان الإيمان، وعلامة السعادة.
ومنها: أنه ينبغي للعبد أن يلتجئ إلى ربه، ويحتمي بحماه عند وجود أسباب المعصية، ويتبرأ من حوله وقوته لقول يوسف: ﴿إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ (33)﴾ ]يوسف:33].
فالعبد الموفق يستعين بربه على دفع المعاصي وأسبابها كما يستعين به عند فعل الطاعات والخيرات، والله كافي المتوكلين» .
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين