[عودة] الكلمة الخمسون الصراط المستقيم والأمة الوسط

الكلمة الخمسون
الصراط المستقيم والأمة الوسط
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فإن هذا الموضوع وما قبله من أهم الموضوعات التي ينبغي العناية والاهتمام بها لما تحتويه على الأصول في العقيدة، وهي رأس الأمور كلها، إضافة إلى التوجيهات المهمة التي يستفيد منها طالب العلم، وعامة الناس، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143].
قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}، قال ابن كثير -رحمه الله-: «يقول تعالى: إنما حولناكم إلى قبلة إبراهيم -عليه السلام- واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم، لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم؛ لأن الجميع معترفون لكم بالفضل، والوسط ها هنا الخيار والأجود كما يقال: [قريش [أوسط العرب نسبًا ودارًا، أي خيرها.
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسطًا في قومه، أي أشرفهم نسبًا، ومنه الصلاة الوسطى التي هي أفضل الصلوات وهي العصر كما ثبت في الصحاح وغيرها، ولما جعل الله هذه الأمة وسطًا خصها بأكمل الشرائع، وأقوم المناهج، وأوضح المذاهب، كما
قال تعالى: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الحج: 78]» (¬1).) .
روى البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ: لِأُمَّتِهِ هَلْ بَلَّغَكُمْ؟، فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيَقُولُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟، فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَتَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]» (¬2) . فذلك قوله جل ذكره: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}. والوسط: العدل، وفي التنزيل: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} [القلم: 28] أي: أعدلهم وخيرهم.
قال زهير:
هُمْ وَسَطٌ يَرضْىَ الأَناَمُ بِحُكْمِهِمْ ... إذا نَزلَتْ إِحْدى الليَّالي بِمُعْظَمِ
«ولما كان الوسط مجانبًا للغلو والتقصير، كان محمودًا، أي هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم، ولا قصَّروا تقصير اليهود في أنبيائهم» (¬3) .
قال عبد الله بن الشخير -رضي الله عنه-: «خير الأمور أوساطها» (¬4) .
وقال تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} [الفاتحة]. هذا تعليم من ربنا -عز وجل- أن نسأله الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو طريق الحق الذي لا اعوجاج فيه، وقد بينه بقوله: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7]، وأولى الناس بهذا الوصف نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه -رضي الله عنهم-، فمن أراد سلوك طريق الاستقامة فليقرأ سيرة نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام، وليسلك طريقهم، وسيجد أنهم علموا وعملوا، وبذلك نجوا من أن يكونوا كالمغضوب عليهم الذين عرفوا الحق فلم يعملوا به، أو الضالين الذين يعبدون الله على جهل وضلال، فكانوا وسطًا عدولًا خيارًا.
وقد أوضح لنا سبحانه وتعالى أن الصراط المستقيم هو الوحي الذي نزله على قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال تعالى: {يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5)} [يس]. وقد جاء في مواضع كثيرة من كتاب الله ما يبين أن الصراط المستقيم يقع بين طرفي نقيض، فقال تعالى مادحًا عباده: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67)} [الفرقان]، وقال تعالى: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (110)} [الإسراء]، وقال تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29)} [الإسراء]. وسلوك هذا المنهج من أعظم العلامات على تعظيم أمر الله ونهيه.
قال ابن القيم -رحمه الله-: «ومن علامات تعظيم الأمر والنهي أن لا يسترسل مع الرخصة إلى حد يكون صاحبه جافيًا غير مستقيم على المنهج الوسط ... فحقيقة التعظيم للأمر والنهي أن لا يُعارضا بترخُّص جاف، ولا يُعرَّضا لتشديد غال، فإن المقصود هو الصراط المستقيم الموصل إلى الله -عز وجل- بسالكه.
وما أمر الله -عز وجل- بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان، إما تقصير وتفريط، وإما إفراط وغلو، فلا يبالي بما ظفر من العبد من الخطيئتين، فإنه يأتي إلى قلب العبد فَيُشَامُّه، فإن وجد فيه تقصيرًا وفتورًا وتوانيًا وترخيصًا أخذه من هذه الخطة، فَثَبَّطَه وأقعده، وضربه بالكسل والتواني والفتور، وفتح له باب التأويلات والرجاء .. وغير ذلك، حتى ربما ترك العبد المأمور جملة. وإن وجد عنده حذرًا وجدًّا، وتشميرًا ونهضة، وأيس أن يأخذه من هذا الباب أمره بالاجتهاد الزائد، وسوَّل له أن هذا لا يكفيك، وهمتك فوق هذا، وينبغي لك أن تزيد على العاملين، وألاَّ ترقد إذا رقدوا، ولا تفطر إذا أفطروا، وألاَّ تفتر إذا فتروا، وإذا غسل أحدهم يديه ووجهه ثلاث مرات فاغتسل أنت سبعًا، وإذا توضأ للصلاة فاغتسل أنت لها .. ونحو ذلك من الإفراط والتعدي، فيحمله على الغلو والمجاوزة وتعدي الصراط المستقيم، كما يحمل الأول على التقصير دونه، وأن لا يقربه.
ومقصوده من الرجلين إخراجهما عن الصراط المستقيم، هذا بأن لا يقربه ولا يدنو منه، وهذا بأن يتجاوزه ويتعداه، وقد فُتن بهذا أكثر الخلق، ولا يُنْجي من ذلك إلا علم راسخ، وإيمان،
وقوة على محاربته، ولزوم الوسط، والله المستعان» (¬5) .
وأهل السنة والجماعة هم أسعد الناس حظًا، وذلك باختيارهم الطريق الوسط بين الطوائف الضالة المتناقضة، فهم في أسماء الله وصفاته وسط بين النفاة المعطلة وبين الغالين الذين حملوها على التمثيل أو تكلفوا لمدلوها التكييف فهم بين هذا وهذا، يثبتون الأسماء والصفات لله على ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
وهم وسط بين الخوارج والمرجئة، فالخوارج يكفرون المسلمين بالكبيرة، ويرون أنه مخلد في النار إذا مات عليها، والمرجئة قالوا: يُسمى مؤمنًا ولا يسمى فاسقًا، وأما أهل السنة والجماعة فيقولون: فاعل الكبيرة مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، قال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات: 9]. فالله تعالى ما سلب الإيمان عن من فعل الكبيرة فسماهم مؤمنين مع حصول القتال والقتل وهو كبيرة، لكنه مع الإيمان فاسق بهذه الكبيرة.
وهم في القضاء والقدر وسط بين الجبرية والقدرية، فالجبرية يثبتون قضاء الله في أفعال العباد، ويقولون: إنه مجبر لا قدرة له ولا اختيار، والقدرية ينكرون قضاء الله تعالى في أفعال العباد، ويقولون: إن العبد قادر مختار لا يتعلق فعله بقضاء الله، وأهل السنة والجماعة يثبتون قضاء الله في أفعال العباد ويقولون: إن له قدرة واختيارًا أودعها فيه متعلقين بقضاء الله، كما قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)} [القمر]، وقال تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28)} [التكوير].
وما ذكرته غيض من فيض، وقليل من كثير، أسأل الله تعالى أن يهدينا إلى صراطه المستقيم، وأن يثبتنا عليه حتى نلقاه وهو راض عنا غير غضبان.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

¬_________
(¬1) تفسير ابن كثير (2/ 111 - 112
(¬2) برقم 4487.
(¬3) تفسير القرطبي [2/ 434].
(¬4) أخرجه ابن أبي شيبة [13/ 479]، وابن سعد [7/ 142].
(¬5) مقدمة الوابل الصيب لابن القيم ص 27 - 30.