[عودة] الكلمة الخامسة والثلاثون آداب السلام رقم 3

الكلمة الخامسة والثلاثون
آداب السلام رقم 3
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
فمن آداب السلام، أنه يشرع تكراره إذا كان الجمع كثيرًا، أو شك في سماع المُسلَّم عليه، روى البخاري في صحيحه من حديث أنس -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أَنَّهُ كَانَ «إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلاَثًا، حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلاَثًا» (¬1) .
قال النووي -رحمه الله-: «يشرع تكراره إذا كان الجمع كثيرًا ولم يسمع بعضهم وقصد الاستيعاب» (¬2) .
قال ابن حجر -رحمه الله-: «وكذا لو سلم وظن أنه لم يُسمع فتسن الإعادة، فيعيد مرة ثانية، وثالثة، ولا يزيد على الثالثة» (¬3) .
ويشرع السلام على المصلي بصوت لا يشوش على المصلين، فقد روى أبو داود في سننه من حديث صهيب -رضي الله عنه- أنه قال: «مَرَرْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يُصَلِّي، فَسَلَّمْتُ، فَرَدَّ إِلَيَّ إِشَارَةً، قَالَ: ولاَ أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ: إِشَارَةً بِأُصْبُعِهِ»، وهذا لفظ حديث قتيبة (¬4) .
وروى أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال: «خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى قباء يصلي فيه، قال: فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو يصلي. قال: فقلت لبلال -رضي الله عنه-: كيف رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قَالَ: يَقُولُ هَكَذَا، وَبَسَطَ كَفَّهُ، وَبَسَطَ جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ كَفَّهُ، وَجَعَلَ بَطْنَهُ أَسْفَلَ، وَجَعَلَ ظَهْرَهُ إِلَى فَوْقٍ» (¬5) .
ففي حديث صهيب أشار بأصبعه، وفي حديث ابن عمر أشار باليد، قال العلامة محمد شمس الحق العظيم آبادي في شرحه على سنن أبي داود: «ويجمع بين هذه الروايات بأنه - صلى الله عليه وسلم - فعله هذا مرة وهذا مرة، فيكون جميع ذلك جائزًا، والله أعلم» (¬6) .
ومن المواضع التي لا يُشرع فيها رد السلام إذا كان المُسلَّم عليه مشتغلًا بقضاء الحاجة، روى مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَجُلًا مَرَّ وَرَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَبُولُ، فَسَلَّمَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ (¬7) .
ومنها أنه لا يشرع السلام على المصلين يوم الجمعة والإمام يخطب، سُئلت اللجنة الدائمة للإفتاء يقول السائل: ما حكم من دخل المسجد والإمام يخطب بالمصلين فسلم على الحاضرين، هل يرد الجماعة عليه التحية؟
الجواب: لا يجوز لمن دخل والإمام يخطب يوم الجمعة إذا كان يسمع الخطبة أن يبدأ بالسلام على من في المسجد، وليس لمن في المسجد أن يرد عليه والإمام يخطب، لكن إذا رد عليه بالإشارة جاز، ولا يجوز له أن يطلب من أحد أن يجلس، ولا أن يطلب من المتكلم أن يسكت إذا كان يسمع الخطبة، والأصل في ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ» (¬8) (¬9) برقم 5137.) .
وجاء في الفتوى الثانية، سائل يقول: الرجل يكون منصتًا لخطبة الجمعة ثم يفاجأ بأحد المجاورين له في المسجد يمد يده للمصافحة والإمام يخطب، فهل يتركه أو يصافحه؟
الجواب: يصافحه بيده ولا يتكلم، ويرد عليه السلام بعد انتهاء الخطيب من الخطبة الأولى إذا سلم عليه والإمام يخطب الخطبة الأولى، وإن سلم والإمام يخطب الخطبة الثانية فأنت تسلم عليه بعد انتهاء الخطيب من الثانية (¬10) .
ويستحب لمن دخل المسجد أن يقدم تحية المسجد قبل السلام، قال ابن القيم -رحمه الله-: «ومن هديه - صلى الله عليه وسلم - يبتدئ بركعتين تحية المسجد، ثم يجيء فيسلم على القوم، فتكون تحية المسجد قبل تحية أهله، فإن تلك حق الله تعالى، والسلام على الخلق هو حق لهم، وحق الله في مثل هذا أحق بالتقديم بخلاف الحقوق المالية، فإن فيها نزاعًا معروفًا، والفرق بينهما حاجة الآدمي، وعدم اتساع الحق المالي لأداء الحقين، بخلاف السلام.
وكانت عادة القوم معه هكذا، يدخل أحدهم المسجد فيصلي ركعتين، ثم يجيء فيسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولهذا جاء في حديث رفاعة بن رافع -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بينما هو جالس في المسجد يومًا -قال رفاعة: ونحن معه، إذ جاء رجل كالبدوي فصلى، فأخف صلاته، ثم انصرف فسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وَعَلَيْكَ، ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» (¬11) . وذكر الحديث. فأنكر عليه صلاته، ولم ينكر عليه تأخير السلام عليه - صلى الله عليه وسلم - إلى ما بعد الصلاة» (¬12).) .
هل يشرع السلام على أهل المعاصي والبدع؟
قال النووي -رحمه الله-: «وأما المبتدع ومن اقترف ذنبًا عظيمًا ولم يتب، فينبغي ألا يُسلَّم عليهم ولا يرد عليهم السلام، كذا قاله البخاري وغيره من العلماء» (¬13) .
واحتج الإمام أبو عبد الله البخاري في صحيحه في هذه المسألة بما رويناه في صحيحي البخاري ومسلم في قصة كعب بن مالك -رضي الله عنه- حين تخلف عن غزوة تبوك هو ورفيقان له، قال: ونهى - صلى الله عليه وسلم - عن كلامنا، قال: «وكُنتَ آتِي رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَأَقُولُ: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ أَمْ لَا؟» (¬14) .
قال البخاري -رحمه الله-: «وقال عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-: لا تسلموا على شربة الخمر» (¬15) .
وذكر الشيخ تقي الدين في فتاويه: «أنه لا ينبغي أن يسلم على من لا يصلي-يعني تارك الصلاة - ولا يجيب دعوته» (¬16) .
قال النووي -رحمه الله-: «فإن اضطر إلى السلام على الظلمة بأن دخل عليهم وخاف ترتب مفسدة في دينه أو دنياه أو غيرهما إن لم يُسَلِّمْ .. سلَّم عليهم، قال الإمام أبو بكر ابن العربي، قال العلماء: يسلم وينوي أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، المعنى: الله عليكم رقيب» (¬17) .
وإن حيَّى المسلم صاحبه بغير السلام كقوله: أسعد الله صباحك أو مساءك .. أو غير ذلك من العبارات ففيه تفصيل.
قال الإمام أحمد -رحمه الله- لصدقة وهم في جنازة: يا أبا محمد! كيف أمسيت؟ فقال: مسَّاكَ الله بالخير.
وقال أيضًا للمروذي: كيف أصبحت يا أبا بكر؟ فقال له: صبَّحَكَ الله بخير يا أبا عبد الله (¬18) بتصرف.) .
وإن قال (مرحبًا) فلا حرج، فقد روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: لما قدم وفد عبد القيس على النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ الذِينَ جَاءُوا غَيْرَ خَزَايَا وَلا نَدَامَى» (¬19) .
ولكن ينبغي أن تكون التحية بعد السلام؛ لأن السلام تحية المسلمين.
أما إذا كانت العبارة من تحية أهل الجاهلية كقوله أنعم صباحًا أو أطال الله بقاءك، أو أمتع الله بك .. أو غيرها من العبارات فلا ينبغي التشبه بهم.
ويشرع السلام على الأصم والأبكم، ويجمع بين اللفظ والإشارة في السلام.
أما الموتى فإنه يشرع السلام عليهم، لما روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: يا رسول الله! كيف أقول لهم - أي: عند زيارة القبور - قال: «قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللَّه الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ» (¬20) .
فائدة:
روى البخاري في صحيحه تعليقًا: أن عمارًا -رضي الله عنه- قال: «ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان، الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعَالَم، والإنفاق من الإقتار» (¬21) .
قال النووي -رحمه الله-: «وقد جمع في هذه الكلمات الثلاث خيرات الآخرة والدنيا، فإن الإنصاف يقتضي أن يؤدي إلى الله تعالى جميع حقوقه وما أُمر به، ويجتنب جميع ما نهاه عنه، وأن يؤدي إلى الناس حقوقهم، ولا يطلب ما ليس له، وأن ينصف أيضًا نفسه فلا يوقعها في قبيح أصلًا.
وأما بذل السلام للعالم - فمعناه لجميع الناس- فيتضمن ألاَّ يتكبر على أحدٍ، وألاَّ يكون بينه وبين أحد جفاء يمتنع بسببه من السلام عليه.
وأما الإنفاق من الإقتار، فيقتضي كمال الوثوق بالله تعالى والتوكل عليه والشفقة على المسلمين ... وغير ذلك، نسأل الله الكريم التوفيق للجميع» (¬22).) .
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

¬_________
(¬1) صحيح البخاري برقم 95.
(¬2) فتح الباري [11/ 27].
(¬3) فتح الباري [11/ 27].
(¬4) برقم 925، وصححه الشيخ الألباني -رحمه الله- في صحيح سنن أبي داود [1/ 174] برقم 818.
(¬5) برقم 927، وذكره الشيخ الألباني -رحمه الله- في صحيح سنن أبي داود [1/ 174] برقم 820 وقال: حسن صحيح.
(¬6) عون المعبود شرح سنن أبي داود [3/ 138] بتصرف.
(¬7) برقم 370.
(¬8) صحيح البخاري برقم 934، وصحيح مسلم برقم 851.
(¬9) فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (8/ 243 - 244
(¬10) فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء [8/ 246] برقم 3774.
(¬11) صحيح البخاري برقم 757، وصحيح مسلم برقم 397.
(¬12) زاد المعاد لابن القيم -رحمه الله- (2/ 377 - 378
(¬13) الأذكار للنووي -رحمه الله- ص 419.
(¬14) صحيح البخاري برقم 4418، وصحيح مسلم برقم 769.
(¬15) صحيح البخاري كتاب الاستئذان باب من لم يسلم على من اقترف ذنبًا ولم يرد سلامه حتى تبين توبته.
(¬16) الآداب الشرعية للحجاوي ص 191.
(¬17) الأذكار للنووي -رحمه الله- ص 419.
(¬18) الآداب الشرعية للحجاوي ص (209 - 210
(¬19) صحيح البخاري برقم 5708.
(¬20) برقم 974.
(¬21) صحيح البخاري كتاب الإيمان، باب إفشاء السلام من الإسلام.
(¬22) الأذكار للنووي ص (398 - 399