[عودة] الكلمة التاسعة عشرة العمل أو الدراسة لدى الكفار

الكلمة التاسعة عشرة
العمل أو الدراسة لدى الكفار
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
قال ابن بطال في شرحه على ما بوَّب البخاري -رحمه الله- باب «هل يؤاجر المسلم نفسه من مشرك في أرض الحرب؟» وذكر فيه حديث خباب قال: «كُنْتُ قَيْنًا - أي حدادًا-، فَعَملتُ للْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ فَاجْتَمَعَ لِي عِندَه، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ فَقَالَ: لاَ، وَاللَّه لاَ أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقُلْتُ: أَما وَاللَّه، حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ فَلاَ. قَالَ: وإِنِّي لَميت ثُمَّ مَبْعُوثٌ؟ قَالَ: نَعَمْ .. الحديث» (¬1) .
قال المهلب: «كره العلماء أن يؤاجر المسلم نفسه من مشرك في دار الحرب أو دار الإسلام؛ لأن في ذلك ذلة للمسلمين، إلا أن تدعو إلى ذلك ضرورة، فلا يخدمه فيما يعود على المسلمين بضر، ولا فيما لا يحل مثل: عصر خمر، أو رعاية خنازير، أو عمل سلاح أو شبه ذلك، فلا يصح لمسلم أن يهين نفسه بالخدمة لمشرك إلا عند الضرورة، فإن وقع ذلك فهو جائز، .... ألا ترى أن خبابًا عمل للعاص بن وائل وهو كافر، وجاز له ذلك» (¬2) .
قال المهلب: «كره أهل العلم ذلك إلا لضرورة بشرطين: أحدهما أن يكون عمله فيما يحل للمسلم فعله، والآخر ألاَّ يعينه على ما يعود ضرره على المسلمين، قال ابن المنير: استقرت المذاهب على أن الصناع في حوانيتهم يجوز لهم العمل لأهل الذمة، ولا يعد ذلك من الذلة، بخلاف أن يخدمه في منزله، وبطريق التبعية له. والله أعلم، والمقصود بالتبعية أن يكون ذليلًا عنده» (¬3) .
قال ابن قدامة: «فإما إن أجر نفسه منه في عمل معين في الذمة، كخياطة ثوب جاز بغير خلاف نعلمه، لأن عليًّا -رضي الله عنه- أجر نفسه من يهودي يستقي له كل دلو بتمرة، وأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك فلم ينكره، وكذلك الأنصاري، ولأنه عقد معاوضة لا يتضمن إذلال المسلم ولا استخدامه فأشبه مبايعته، فإن أجر نفسه منه لغير الخدمة مدة معلومة جاز» أهـ (¬4)
والخلاصة: «أن إجارة المسلم نفسه للكافر ثلاثة أنواع:
الأولى: إجارة على عمل في الذمة، فهذه جائزة، والثانية: إجارة للخدمة، فهذه الصحيح فيها المنع؛ لأن إجارة الخدمة تتضمن حبس نفسه على خدمته مدة الإجارة، وذلك فيه إذلال للمسلم وإهانة له تحت يد الكافر، فلم يجز كبيع العبد المسلم له، قال تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141)} [النساء]. والثالثة: إجارة عينه منه لغير الخدمة، فهذه جائزة، كما حدث لخباب -رضي الله عنه- مع العاص بن وائل وهو كافر، فقد عمل قينًا عنده كما تقدم.
هذا كله إذا كان الإيجار لعمل لا يتضمن تعظيم دينهم وشعائرهم، فإن كانت الإجارة لعمل يتضمن ذلك لم يجز» (¬5) ، أو كان هذا العمل يتضمن مخالفات شرعية، كأن يكون العمل في فندق، أو مطعم يبيع المحرمات كالخنزير أو الخمر، أو يعرض القنوات الفضائية السيئة لساكنيه، أو الاختلاط بين الرجال والنساء، أو يمنع فيه من أداء الصلوات، أو غير ذلك.
سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، يقول السائل:
ما حكم العمل في دول الكفر، كدول أوروبا وأمريكا، وهل يتغير الحكم لو عمل عند مسلم في مؤسسات مسلمة، ولكن في نفس البلد الكافر؟
الجواب: يجب على المسلم أن يهاجر من ديار الكفر إلى ديار الإسلام محافظة على دينه، وتكثيرًا لجماعة المسلمين، وليتعاون معهم على إقامة شعائر الإسلام، وسيجد لنفسه بإذن الله طرقًا عدة للكسب والمعيشة المباركة بين المسلمين مع الأمن على دينه إن اتقى الله، قال الله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)} [الطلاق].
ومن هذا يعلم أن عمل المسلم في بلاد الكفر وهو يقوى على الهجرة منها إلى بلاد الإسلام لا يجوز، سواء كان عمله في محل كافر أم مسلم، إلا أن عمله في محل كافر أشد منعًا، لما يتوقع في ذلك من مزيد الخطر والذل، لكن إذا كان عالمًا وله نشاط في الدعوة إلى الإسلام، ويرجى أن يتأثر الكفار بدعوته، وتقوم به الحجة عليهم ولا تخشى عليه فتنة في دينه، أو نفسه، فله أن يقيم بينهم للقيام بواجب الدعوة إلى الله ونشر الإسلام، ومن كان مستضعفًا لا يقوى على الهجرة، فهو معذور في إقامته بين الكفار، وعلى إخوانه المسلمين أن يساعدوه، ليتمكن من الهجرة إلى بلد يأمن فيه على دينه» (¬6) برقم 3859.) .
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن باز
وسُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، يقول السائل:
إني قاطن في فرنسا، متزوج ولي أبناء، ومشكلتي هي كالآتي: العمل تقريبًا معدوم عندنا، وهذه ليست حجة أنجو بها عند ربي، والمصيبة الكبرى وهي أنني أعيش في محيط غير مسلم، زوجتي مثلًا تصلي وتصوم، وهذا بعد جهد طويل ومديد وقاس ومر، ولا أظن إن واجهتها بالحقيقة أنها ستقتنع وترضى بحكم الله، وهذا سيؤدي لا محالة إلى الطلاق وتخريب البيت، وقانون الدولة عندنا يعطي حضانة الأولاد إلى الأم، وأخشى عليهم ترك دين أبيهم.
والسؤال هو: هل أتوقف عن العمل في هذا المحل الذي فيه لحوم الخنزير وغيرها، وإن أدى ذلك إلى الطلاق إذا اقتضى الأمر، أم أواصل عملي؟ أفيدوني أفادكم الله، وفقنا الله وإياكم؟
الجواب: إذا كان الأمر كما ذكر، فإنه لا يجوز لك الاستمرار في العمل المذكور؛ لأنه من التعاون على الإثم والعدوان الذي نهى الله عنه، لقوله: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)} [المائدة]. ونوصيك بالتماس عمل غير العمل المذكور، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2 - 3]. ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه (¬7) برقم 17687.) .
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبدالعزيز آل الشيخ ... عبدالعزيز بن باز وسُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، يقول السائل:
ما حكم من يشتغل عند شخص غير مسلم، هذه النقود التي يقبضها من عنده هل هي حلال أم حرام؟
الجواب: تأجير المسلم نفسه للكافر لا بأس به إذا كان العمل الذي يقوم به مباحًا، كبناء جدار أو بيع سلعة مباحة أو ما أشبه ذلك من الأعمال المباحة؛ لأن عليًّا -رضي الله عنه- أجر نفسه ليهودي بتمرات على نضح الماء له من البئر، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- «أَنَّ عَليًّا أَجر نَفْسَهُ مِنْ يَهُودِيٍّ يَسْقِي لَهُ كُلَّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ» (¬8) (¬9) برقم 15921.) .
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبدالعزيز آل الشيخ ... عبدالعزيز بن باز
سُئل الشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله-، يقول السائل:
يوجد بعض الإخوة المسلمين الدارسين في أمريكا لا يستطيعون أداء الصلاة في وقتها سواء مع الجماعة أو منفردين، وذلك بسبب أوقات المحاضرات الدراسية هنا في الجامعات الأمريكية، كما أن بعض الإخوة لا يستطيعون أداء صلاة الجمعة لمدة طويلة قد تصل إلى فصل دراسي كامل، فما الحكم في ذلك جزاكم الله خيرًا؟
الجواب: يجب على المسلم أن يصلي الصلاة في وقتها، ولا يجوز تأخيرها عن وقتها من أجل بعض الدروس أو المحاضرات، إلا أن يكون مسافرًا يجوز له الجمع، أو مريضًا يشق عليه أن يصلي كل صلاة في وقتها، وأنت وأمثالك ليس لكم حكم المسافرين، لعزمكم على الإقامة لمدة طويلة، فالواجب على كل مسلم في أي مكان أن يراقب الله سبحانه، وأن يصلي الصلاة في أوقاتها مع الجماعة، وأن يحذر التساهل في ذلك، أو الترخص في الجمع بغير عذر شرعي، وعليه أن يصلي صلاة الجمعة مع المسلمين إذا كان في مكان تقام فيه صلاة الجمعة، ولا يجوز له التساهل في ذلك (¬10) بتصرف.) .
وسُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية، يقول السائل:
هل يجوز لي شرعًا أن أعمل في عمل يقوم عليه شخص كافر لا يمكنني من أداء الصلاة في وقتها، ولا يمكنني من أداء صلاة الجمعة؟ الجواب: إذا كان الواقع كما ذكرت، فإنه لا يجوز لك أن تعمل في هذا العمل الذي يصدك صاحبه عن الصلاة المفروضة في وقتها المحدد لها، وعن أداء الجمعة المكتوبة عليك (¬11) .
ومن الحلول: البحث عن عمل لدى المؤسسات أو الشركات التي يملكها أناس متسامحون، ولا يعارضون المسلمين عند ذهابهم لصلاة الجمعة أو التوقف عن العمل لأداء صلاة الجماعة، وهذا موجود في بعض الدول، ويعتبرون هذا من الحرية الدينية، بل بعضهم يحترم المسلم الذي يتوقف عن العمل لأداء صلاة الجمعة أو الجماعة، ولعل من المناسب أن يشترط المسلم عند كتابة عقد العمل لدى المؤسسة أو الشركة أن من حقه التوقف عن العمل لأداء صلاة الجمعة، أو الجماعة، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2)} [الطلاق].
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

¬_________
(¬1) برقم 2275، ورواه مسلم في صحيحه برقم 5972.
(¬2) فتح الباري [6/ 403].
(¬3) فتح الباري [4/ 452].
(¬4) المغني [6/ 39].
(¬5) أحكام أهل الذمة لابن القيم [1/ 199] بتصرف.
(¬6) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (14/ 475 - 476
(¬7) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (14/ 436 - 437
(¬8) سنن ابن ماجه برقم 2446 وضعفه الألباني -رحمه الله- في سنن ابن ماجه ص 193 برقم 535.
(¬9) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (14/ 485 - 486
(¬10) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله- (10/ 376 - 377
(¬11) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء [14/ 478] برقم 4047.