[عودة] الكلمة الخامسة نواقض الوضوء

الكلمة الخامسة
نواقض الوضوء
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد ..
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6].
فالآية الكريمة أوجبت الوضوء للصلاة، وبينت الأعضاء التي يجب غسلها أو مسحها في الوضوء، وبين النبي -صلى الله عليه وسلم- صفة الوضوء بقوله وبفعله بيانًا كافيًا.
«والوضوء له نواقض: وهي إما أحداث تنقض الوضوء بنفسها كالبول والغائط، وإما أسباب للأحداث بحيث إذا وقعت تكون مظنة لحصول الأحداث، كزوال العقل، والنوم، والإغماء، فإن زائل العقل لا يحس بما يحصل منه، فأقيمت المظنة مقام الحدث، فإلى التفاصيل:
1 - الخارج من السبيلين: أي من مخرج البول والغائط، والخارج من السبيلين إما أن يكون بولًا أو منيًّا، أو مذيًا، أو دم استحاضة، أو غائطًا، أو ريحًا، فإن كان الخارج بولًا، أو غائطًا فهو ناقض للوضوء بالنص والإجماع، قال تعالى في موجبات
الوضوء: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6].
روى النسائي والترمذي في سننهما من حديث صفوان بن عسال -رضي الله عنه- قال: «أَمَرَنَا رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إِذَا كُنَّا سَفْرًا أَلا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلاثَةَ أَيَّام وَلَيَالِيهِنَّ، إِلا مِنَ جَنَابَةِ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْم» (¬1) ، وإن كان منيًّا أو مذيًا فهو ينقض الوضوء بدلالة الأحاديث الصحيحة، وحكى الإجماع على ذلك ابن المنذر وغيره.
روى البخاري ومسلم من حديث علي -رضي الله عنه- قال: كنت رجلًا مذاء، فأمرت رجلًا أن يسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- لمكان ابنته، فسأل فقال: «تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ» (¬2) ، وفي رواية الترمذي: «مِنَ الْمَذْيِ الْوُضُوءُ، وَمِنَ الْمَنِيِّ الْغُسْلُ» (¬3) .
وكذلك ينقض الوضوء خروج دم الاستحاضة وهو دم فاسد، لا دم حيض، لحديث فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي -صلى الله عليه وسلم-: «فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي، فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ» (¬4) ، وكذلك السائل الذي يخرج من المرأة، فهو وإن كان طاهرًا إلا أنه يجب الوضوء منه لأنه خارج من السبيل.
وكذلك ينقض الوضوء خروج الريح بدلالة الأحاديث الصحيحة وعليه الإجماع، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» (¬5) ، وقال -صلى الله عليه وسلم- فيمن شك هل خرج منه ريح أم لا: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (¬6) ، أما ما يظنه بعض العامة أنه عند الحدث بخروج الريح لابد له من الاستنجاء فهذا ليس بصحيح، وإنما يكتفي بالوضوء فقط.
وأما الخارج من البدن من غير السبيلين كالدم، والقيء، والرعاف، فموضع خلاف بين أهل العلم، هل ينقض الوضوء أم لا؟ على قولين: والراجح أنه لا ينقض، لكن لو توضأ خروجًا من الخلاف فهو حسن» (¬7) .
2 - من النواقض زوال العقل أو تغطيته، وزوال العقل يكون بالجنون ونحوه، وتغطيته يكون بالنوم أو الإغماء ونحوهما، فمن زال عقله أو غُطي بنوم ونحوه انتقض وضوؤه لأن ذلك مظنة خروج الحدث وهو لا يحس به، إلا يسير النوم، فإنه لا ينقض الوضوء لأن الصحابة -رضي الله عنهم- كان يصيبهم النعاس وهم ينتظرون الصلاة، وإنما ينقضه النوم المستغرق جمعًا بين الأدلة.
3 - ومن نواقض الوضوء أكل لحم الإبل سواء كان قليلًا أو كثيرًا، نيئًا أو مطبوخًا، لما روى مسلم في صحيحه من حديث جابر ابن سمرة أن رجلًا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلا تَوَضَّأْ». قَالَ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ؟ قَالَ: «نَعَمْ. فَتَوضَأ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ» (¬8) . قال الإمام أحمد: فيه حديثان صحيحان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
4 - مس الفرج باليد قبلًا كان أو دبرًا من نفسه أو من غيره من غير حائل؛ لأنه مع الحائل لا يعد مسًّا، واختلف العلماء في ذلك، فقال الجمهور: مس الذكر ناقض للوضوء سواء كان بشهوة أو بغير شهوة ذكرًا كان أو أنثى، واحتجوا بحديث بسرة بنت صفوان -رضي الله عنهما- قالت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» (¬9) .
وروى ابن حبان من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى فَرْجِهِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سِتْرٌ وَلا حِجَابٌ، فَلْيَتَوَضَّأْ» (¬10) .
وروى أبو داود من حديث طلق بن علي -رضي الله عنه- قال: سُئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ؟ قال: «هَلْ هُوَ إِلَّا بَضْعَةٌ مِنْه؟» (¬11) .
قال ابن حجر نقلًا عن البيهقي قوله: «يكفي في ترجيح حديث بسرة على حديث طلق بن علي أنه لم يخرجه صاحبا الصحيح ولم يحتجا بأحدٍ من رواته، وقد احتجا بجميع رواة حديث بسرة، إلا أنهما لم يخرجاه للاختلاف فيه على عروة، وعلى هشام بن عروة» (¬12) .
قال الشافعي -رحمه الله-: «قد سألنا عن قيس بن طلق فلم نجد من يعرفه بما يكون لنا قبول خبره»، وقال أبو حاتم: «قيس بن طلق ليس فيمن تقوم به حجة، ووهاه» (¬13) .
وقالوا: إن حديث طلق موافق لما كان الأمر عليه قبل ورود بسرة بنت صفوان من البراءة الأصلية، وحديث بسرة ناقل عنها.
وهذا ما تفتي به اللجنة الدائمة، فقد سُئلت عن هذه المسألة، فكان الجواب: الراجح من أقوال العلماء في هذه المسألة قول الجمهور وهو نقض وضوء من مس ذكره؛ لأن حديث «مَاَ هُوَ إِلَّا بَضْعَةٌ مِنْكَ» ضعيف، لا يقوى على معارضة الأحاديث الصحيحة الدالة على أن من مس ذكره فعليه الوضوء، والأصل أن الأمر للوجوب وعلى تقدير عدم ضعفه فهو منسوخ بحديث: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» (¬14) برقم 6990.) .
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... الرئيس
عبد الله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن باز وأما مس المرأة فالراجح أنه لا ينقض الوضوء إذا لم ينزل منه شيء، فقد ثبت في سنن أبي داود من حديث عائشة -رضي الله عنها-: أَنَّ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قَبَّلَهَا، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ وَلمْ يَتَوَضَّأ (¬15) .
وأما خروج الهواء أو الرطوبة من فرج المرأة، فالصحيح أنه لا ينقض الوضوء اعتمادًا على البراءة الأصلية، ولم يرد دليل على أنه ينقض الوضوء.
وأما الودي، وهو السائل الذي يخرج من الذكر بعد البول مباشرة، لا يوجب الغسل، ولكنه نجس لأنه يخرج من سبيل الحدث، وحكمه كالبول يجب الوضوء منه.
وأما خلع الخف، فهل ينقض الوضوء؟ فيه خلاف بين أهل العلم، والراجح أن الوضوء صحيح ولا شيء عليه، والدليل على ذلك أنه موافق لعمل الخليفة الراشد علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فقد ثبت عنه أنه أحدث ثم توضأ ومسح على نعليه، ثم خلعهما وصلى (¬16)، قال الألباني -رحمه الله-: صحيح.) .
ومن الأدلة أيضًا موافقته للنظر الصحيح، فإنه لو مسح على رأسه ثم حلق لم يجب عليه أن يعيد المسح، بل له الوضوء، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- (¬17) .
أما القسطرة البولية، وهي أن يوضع للمريض في مجرى البول قسطار، ومعنى القسطار: ماسور بلاستيكي حتى يخرج البول عن طريقه، وذلك بسبب احتباس البول وعدم خروجه، فهذا يجب عليه أن يتوضأ لوقت كل صلاة، ولا بأس أن يصلي وهو حامل لذلك الكيس، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
وكذلك ينقض الوضوء مس الأم لفرج ابنها الصغير، سُئلت اللجنة الدائمة للإفتاء، تقول السائلة: هل لمس عورة صغيري أثناء تغيير ملابسه ينقض وضوئي؟
الجواب: لمس العورة بدون حائل ينقض الوضوء، سواء كان الملموس صغيرًا أو كبيرًا، لما ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» (¬18) ، وفَرْجِ المَمْسُوس مِثْلَ فَرْجِ المَاس (¬19) .
وبقيت مسألة مهمة وهي: من تيقن الطهارة ثم شك في حصول ناقض من نواقضها ماذا يفعل؟
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا، فَأَشْكَلَ عَليهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لاَ؟ فَلا يَخْرُجَنَّ مِنَ المَسْجدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (¬20) .
«فدل هذا الحديث الشريف وما في معناه على أن المسلم إذا تيقن الطهارة وشك في انتقاضها أنه يبقى على الطهارة لأنها الأصل ولأنها متيقنة، وحصول الناقض مشكوك فيه، واليقين لا يزول بالشك، وهذه قاعدة في جميع الأشياء أنها تبقى على الأصل حتى يتيقن خلافها، وكذلك العكس، فإذا تيقن الحدث وشك في الطهارة فإنه يتوضأ لأن الأصل بقاء الحدث فلا يرتفع بالشك» (¬21).) .
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

¬_________
(¬1) سنن النسائي برقم 127، والترمذي برقم 96، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(¬2) صحيح البخاري برقم 269، وصحيح مسلم برقم 303.
(¬3) برقم 114 وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(¬4) صحيح البخاري برقم 306، وصحيح مسلم برقم 333.
(¬5) صحيح البخاري برقم 135، وصحيح مسلم برقم 225.
(¬6) صحيح مسلم برقم 361.
(¬7) الملخص الفقهي للشيخ صالح الفوزان [1/ 61].
(¬8) برقم 360.
(¬9) مسند الإمام أحمد [45/ 270] برقم 27294، وقال محققوه: حديث صحيح.
(¬10) برقم 1115 وحسنه الألباني -رحمه الله- في السلسلة الصحيحة 1235.
(¬11) سنن أبي داود برقم 182، وقال الشيخ الألباني -رحمه الله- في المشكاة 320: وسنده صحيح.
(¬12) تلخيص الحبير لابن حجر العسقلاني -رحمه الله- [1/ 347].
(¬13) تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني -رحمه الله- [3/ 450].
(¬14) فتاوى اللجنة الدائمة (5/ 264 - 265
(¬15) برقم 179 وصححه الألباني -رحمه الله- في سنن أبي داود برقم 165.
(¬16) مصنف عبدالرزاق (783 - 784
(¬17) اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- ص 15 باختصار.
(¬18) سبق تخريجه.
(¬19) فتاوى اللجنة الدائمة للافتاء [5/ 265] برقم 10447.
(¬20) صحيح البخاري برقم 176، وصحيح مسلم برقم 362 واللفظ له.
(¬21) الملخص الفقهي للشيخ صالح الفوزان (1/ 62 - 63