[عودة] الكلمة الثامنة والتسعون: ذم البخل

الكلمة الثامنة والتسعون: ذم البخل
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فمن الصفات المذمومة التي ذمها الله ورسوله البخل، قَالَ تَعَالَى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 180].
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: «أي: ولا يظن الذين يبخلون أي: يمنعون ما عندهم مما أتاهم الله من فضله من المال، والجاه، والعلم .. وغير ذلك مما منحهم الله وأحسن إليهم به وأمرهم ببذل ما لا يضرهم منه لعباده، فبخلوا بذلك وأمسكوه وضنوا به على عباد الله، وظنوا أنه خير لهم بل هو شر لهم في دينهم، ودنياهم، وعاجلهم، وآجلهم» (¬1). اهـ
وأشد البخل الشح، قَالَ تَعَالَى: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون} [الحشر: 9].قال الرازي: الشح هو البخل مع حرص (¬2)، روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رضي اللهُ عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: «اتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ» (¬3).
ويؤيد ذلك ما رواه أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: «لَا يَجْتَمِعُ شُحٌّ، وَإِيمَانٌ فِي قَلْبِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ» (¬4).
وأنواع البخل كثيرة: فمنها بخل بالمال، أو الجسد، أو العلم، أو الجاه، أو السلام، أو الصلاة على النبي صلى اللهُ عليه وسلم. وقد وردت بذلك نصوص كثيرة، منها ما رواه البيهقي في شعب الإيمان مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رضي اللهُ عنه مَرفُوعًا: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ أَعجَزَ النَّاسِ مَن عَجِزَ فِي الدُّعَاءِ، وَإِنَّ أَبخَلَ النَّاسِ مَن بَخِلَ بِالسَّلَامِ» (¬5).
وروى الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ حُسَينِ بنِ عَلِيٍّ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: «الْبَخِيلُ الَّذِي مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» (¬6).
والبخل درجات فأعظمه البخل بالواجبات، والفرائض، مثل البخل بالزكاة، أو النفقة على الأهل، أو الضيافة الواجبة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رضي اللهُ عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: «مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَاخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ، يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ، يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} [آل عمران: 180]» (¬7).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ رضي اللهُ عنها قَالَتْ: «قَالَتْ هِنْدٌ أُمُّ مُعَاوِيَةَ لِرَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِينِي وَبَنِيَّ؟ قَالَ: خُذِي بِالْمَعْرُوفِ» (¬8).
وروى البخاري ومسلم مِن حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ رضي اللهُ عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» (¬9).
قال ابن قدامة المقدسي: «البخل والسخاء درجات، وأشد درجات البخل أن يبخل الإنسان على نفسه مع الحاجة إليه، فكم من بخيل يمسك المال ويمرض فلا يتداوى، ويشتهي الشهوة فيمنعه منها البخل، فكم بين من يبخل على نفسه مع الحاجة، وبين من يؤثر على نفسه مع الحاجة، والأخلاق عطايا يضعها الله عزَّ وجلَّ حيث يشاء» (¬10). اهـ
الدرجة الثانية: البخل بما يستحب كالبخل بالصدقات، أو إقراض الآخرين، أو الضيافة المستحبة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» (¬11).
وروى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ ابنِ مَسعُودٍ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ السَّلَفَ يَجرِي مَجرَى الصَّدَقَةِ» (¬12). وَكَانَ النَّبِيُّ صلى اللهُ عليه وسلم يَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ مِنَ البُخْلِ، روى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رضي اللهُ عنه قَالَ: كُنتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم إِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا، فَكُنْتُ أَسمَعُهُ كَثِيرًا يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالبُخْلِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» (¬13).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «إن الجميع يتمادحون بالشجاعة والكرم، حتى إن ذلك عامة ما تمدح به الشعراء ممدوحيهم في شعرهم، وكذلك يتذامون بالبخل والجبن، ثم قال: ولما كان صلاح بني آدم لا يتم في دينهم ودنياهم إلا بالشجاعة، والكرم، بين الله سبحانه أنه من تولى عنه بترك الجهاد بنفسه أبدل الله به من يقوم بذلك، ومن تولى عنه بإنفاق ماله أبدل الله به من يقوم بذلك، فقال: {هَاأَنتُمْ هَؤُلاَء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُم} [محمد: 38]» (¬14). اهـ
ومما يدل على مقت البخل وأنه مما ينافي مكارم الأخلاق، ما رواه البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ رضي اللهُ عنه أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَا هُوَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم وَمَعَهُ النَّاسُ مُقْبِلًا مِنْ حُنَيْنٍ عَلِقَتْ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم الْأَعْرَابُ يَسْأَلُونَهُ، حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ، فَوَقَفَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم فَقَالَ: «أَعْطُونِي رِدَائِي، فَلَوْ كَانَ عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا، وَلَا كَذُوبًا، وَلَا جَبَانًا» (¬15).
قال ابن حجر: «وفيه ذم الخصال المذكورة وهي البخل، والكذب، والجبن، وأن إمام المسلمين لا يصلح أن يكون فيه خصلة منها» (¬16).
وَكَانَ النَّبِيُّ صلى اللهُ عليه وسلم أكرم الناس، فقد أعطى يوم حنين الأقرع ابن حابس وعيينة بن حصن أعطى كل واحد منهم مائة من الإبل، ولما جاءه أعرابي أعطاه واديًا من الغنم بين جبلين، فرجع إلى أصحابه وهو يقول: يا قوم أسلموا فإن محمدًا يُعطي عطاءً لا يخشى الفاقة (¬17).
قال ابن القيِّم رحمه الله: «الجبن والبخل قرينان، فإن عدم النفع منه إن كان ببدنه فهو الجبن، وإن كان بماله فهو البخل» (¬18).
قال الشاعر:
إِذَا كُنْتَ جَمَّاعًا لِمَالِكَ مُمْسِكًا
فَأَنْتَ عَلَيْهِ خَازِنٌ وَأَمِينُ
تُؤَدِّيهِ مَذْمُومًا إِلَى غَيْرِ حَامِدٍ
فَيَاكُلَهُ عَفْوًا وَأَنْتَ دَفِينُ
وقال آخر:
إِذَا جَادَتِ الدُّنيَا عَلَيكَ فَجُدْ بِهَا
عَلَى النَّاسِ طُرًّا إِنَّهَا تَتَقَلَّبُ
فَلَا الجُودُ يُفْنِيهَا إِذَا هِيَ أَقْبَلَتْ
وَلَا البُخلُ يُبقِيهَا إِذَا هِيَ تَذهَبُ
وقال ابن مفلح رحمه الله: «عجبًا للبخيل المتعجل للفقر الذي منه هرب، والمؤخر للسعة التي إياها طلب، ولعله يموت بين هربه وطلبه، فيكون عيشه في الدنيا عيش الفقراء وحسابه في الآخرة حساب الأغنياء، مع أنك لم تر بخيلًا إلا غيره أسعد بمالِهِ منه لأنه في الدنيا مهتم بجمعه، وفي الآخرة آثم بمنعه، وغيره آمن في الدنيا من همه، وناج في الآخرة من إثمه» (¬19). اهـ
قال حبيش الثقفي: «قعدت مع أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين والناس متوافرون فأجمعوا أنهم لا يعرفون رجلًا صالحًا بخيلًا» (¬20).
قال الماوردي رحمه الله: «قد يحدث عن البخل من الأخلاق المذمومة، وإن كان ذريعة إلى كل مذمة، أربعة أخلاق، ناهيك بها ذمًّا وهي: الحرص والشره، وسوء الظن، ومنع الحقوق، وإذا آل البخيل إلى ما وصفناه من هذه الأخلاق المذمومة، والشيم اللئيمة، لم يبقَ معه خير مرجو، ولا صلاح مأمول» (¬21).
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
¬_________
(¬1) «تفسير الشيخ ابن سعدي» (ص141).
(¬2) «مختار الصحاح» (ص331).
(¬3) جزء من حديث في «صحيح مسلم» (برقم 2578).
(¬4) قطعة من حديث في «مسند الإمام أحمد» (12/ 450) (برقم 7480)، وقال محققوه: حديث صحيح بطرقه وشواهده.
(¬5) «شعب الإيمان» (13/ 22) (برقم 8392)، وصححه الشيخ الألباني في «السلسلة الصحيحة» (برقم 601). ورجَّحَ بعضهم وقفه.
(¬6) «سنن الترمذي» (برقم 3546)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.
(¬7) «صحيح البخاري» (برقم 1403)، و «صحيح مسلم» (برقم 987).
(¬8) «صحيح البخاري» (برقم 5370)، و «صحيح مسلم» (برقم 1714).
(¬9) «صحيح البخاري» (برقم 6018)، و «صحيح مسلم» (برقم 47).
(¬10) «مختصر منهاج القاصدين» (ص265).
(¬11) «صحيح البخاري» (برقم 1442)، و «صحيح مسلم» (برقم 1010).
(¬12) «مسند الإمام أحمد» (7/ 26) (برقم 3911)، وقال محققوه: إسناده حسن.
(¬13) «صحيح البخاري» (برقم 2893).
(¬14) «الاستقامة» (2/ 263 - 270)، باختصار.
(¬15) «صحيح البخاري» (برقم 3148).
(¬16) «فتح الباري» (6/ 254).
(¬17) «صحيح مسلم» (برقم 2312).
(¬18) «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي» (ص85).
(¬19) «الآداب الشرعية» (3/ 318).
(¬20) «طبقات الحنابلة» (1/ 147).
(¬21) «أدب الدنيا والدين» (ص186 - 187)، بتصرُّف.