[عودة] الكلمة الخامسة والتسعون: تأملات في سورة الانشراح

الكلمة الخامسة والتسعون: تأملات في سورة الانشراح
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فإن من سور القرآن الكريم التي تتكرر على أسماعنا ونحن بحاجة إلى تدبرها ومعرفة ما فيها من الحكم والفوائد العظيمة سورة الانشراح.
قَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك (1) وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَك (2) الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَك (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَك (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَب (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب (8)} [الانشراح: 1 - 8].
قَولُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك (1)} يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى اللهُ عليه وسلم ممتنًّا عليه بإحسانه إليه حاضًا له بذلك على شكره على ما أنعم عليه ليستوجب بذلك المزيد منه: ألم نشرح لك صدرك يا محمد فنورناه وجعلناه فسيحًا واسعًا، وسعناه لشرائع الدين، والدعوة إلى الله والاتصاف بمكارم الأخلاق، والإقبال على الآخرة، وتسهيل الخيرات، فلم يكن ضيقًا حرجًا لا يكاد ينقاد لخير ولا تكاد تجده منبسطًا كما قَالَ تَعَالَى: {فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} [الأنعام: 125]، وكان من دعاء نبي الله موسى عليه السلام: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25)} [طه: 25].
ومن جملة شرح الله صدر نبيه: ما فعل به ليلة الإسراء، وما نشأ عنه من الشرح المعنوي أيضًا، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رضي اللهُ عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى اللهُ عليه وسلم: «بَيْنَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ إِذْ سَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ: أَحَدُ الثَّلَاثَةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، فَأُتِيتُ فَانْطُلِقَ بِي، فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ فَشُرِحَ صَدْرِي إِلَى كَذَا وَكَذَا (¬1)، قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلْتُ لِلَّذِي مَعِي: مَا يَعْنِي؟ قَالَ: إِلَى أَسْفَلِ بَطْنِهِ، فَاسْتُخْرِجَ قَلْبِي فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ أُعِيدَ مَكَانَهُ ثُمَّ حُشِيَ إِيمَانًا وَحِكْمَةً» (¬2).
قَولُهُ تَعَالَى: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَك (2)}، أي: وغفرنا لك ما سلف من ذنوبك، وحططنا عنك ثقل أيام الجاهلية التي كنت فيها، كما قَالَ تَعَالَى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: 2].
قَولُهُ تَعَالَى: {الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَك (3)}، أي: أثقله حتى سمع نقيضه أي صوته، قال أهل اللغة: أنقض الحمل ظهر الناقة إذا سمع له صرير من شدة الحمل وثقله، قال بعضهم: وإنما وضعت ذنوب الأنبياء بهذا الثقل مع كونها مغفورة لشدة اهتمامهم بها وندمهم منها وتحسرهم عليها.
قَولُهُ تَعَالَى:، {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَك (4)} قال مجاهد: يعني التأذين وفيه يقول حسان بن ثابت:
أَغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوُّةِ خَاتَمٌ
مِنَ اللهِ مَشْهُودٌ يَلُوحُ وَيَشْهَدُ
وَضَمَّ الإِلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ
إِذْ قَالَ فِي الْخَمْسِ المُؤَذِّنُ أَشْهَدُ
وَشَقَّ لَهُ مِنَ اسمِهِ لِيُجِلَّهُ
فَذُو العَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ
روى الضحاك عن ابن عباس رضي اللهُ عنهما قال: «يقول له: لا ذكرت إلا ذكرت معي في الأذان، والإقامة، والتشهد، ويوم الجمعة على المنابر، ويوم الفطر، ويوم الأضحى وأيام التشريق، ويوم عرفة، وعند الجمار، وعلى الصفا والمروة، وفي خطبة النكاح وفي مشارق الأرض ومغاربها، ولو أن رجلًا عبد الله جل ثناؤه وصدق بالجنة والنار وكل شيء ولم يشهد أن محمدًا رسول الله لم ينتفع بشيء وكان كافرًا، وقيل: أي أعلينا ذكرك فذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك، وأمرناهم بالبشارة بك ولا دين إلا ودينك يظهر عليه، وقيل: رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء وفي الأرض عند المؤمنين ونرفع في الآخرة ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود، وكرائم الدرجات، والظاهر أن الآية عامة تشمل ذلك كله» (¬3).
قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السِّعدي: «وله في قلوب أمته من المحبة والإجلال والتعظيم ما ليس لأحد غيره بعد الله تعالى، فجزاه الله عن أمته أفضل ما جزى نبيًّا عن أمته» (¬4).
قَولُهُ تَعَالَى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5)} هذه بشارة من الله لرسوله ولأمته، وجرى على الرسول صلى اللهُ عليه وسلم عسر حينما كان بمكة يضيق عليه، وفي الطائف وكذلك في المدينة مع المنافقين، وقد أنجز الله له ما وعده ويسر أمره فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز، واليمن، ووسع ذات يده حتى كان يعطي الرجل المئين من الإبل ويهب الهبات العظيمة ويدخر لأهله قوت سنة.
فهذا اليسر الذي حصل للنبي صلى اللهُ عليه وسلم سيكون لأمته، كذلك قَالَ تَعَالَى: {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (7)} [الطلاق: 7]، وروى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي اللهُ عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: «وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» (¬5). وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رضي اللهُ عنهما: يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: «خَلَقْتُ عُسْرًا وَاحِدًا، وَخَلَقْتُ يُسْرَيْنِ، وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» (¬6).
وتوجيه كلامه مع أن العسر ذكر مرتين واليسر ذكر مرتين، قال أهل البلاغة: إن العسر لم يذكر إلا مرة واحدة {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6)} العسر الأول أعيد في الثانية بأل، فأل هنا للعهد الذكري وأما يسر فإنه لم يأت معرفًا بل جاء منكرًا، والقاعدة أنه إذا كرر الاسم مرتين بصيغة التعريف فالثاني هو الأول إلا ما ندر، وإذا كرر الاسم مرتين بصيغة التنكير فالثاني غير الأول لأن الثاني نكرة، إذًا في الآيتين الكريمتين يسران وفيهما عسر واحد، قال الشاعر:
إِذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى اليَاسِ القُلُوبُ
وَضَاقَ لِمَا بِهِ الصَّدْرُ الرَّحِيبُ
وَأَوْطَأَتِ المَكَارِهُ وَاطْمَأَنَّتْ
وَأَرْسَتْ فِي أَمَاكِنِهَا الخُطُوبُ
وَلَم تَرَ لِانْكِشَافِ الضُّرِّ وَجْهًا
وَلَا أَغْنَى بِحِيلَتِهِ الأَرِيبُ
أَتَاكَ عَلَى قُنُوطٍ مِنْكَ غَوثٌ
يَمُنُّ بِهِ اللَّطِيفُ المُستَجِيبُ
وَكُلُّ الحَادِثَاتِ إِذَا تَنَاهَتْ
فَمَوْصُولٌ بِهَا الفَرَجُ القَرِيبُ
وقال آخر:
وَلَرُبَّ نَازِلَةٍ يَضِيقُ بِهَا الفَتَى
ذَرْعًا وَعِنْدَ اللهِ مِنْهَا المَخْرَجُ
كَمُلَتْ، فَلَمَّا اسْتَحْكَمَتْ حَلَقَاتُهَا
فُرِجَتْ وَكَانَ يَظُنُّهَا لَا تُفْرَجُ
قَولُهُ تَعَالَى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَب (7)}، أي: إذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها، وقطعت علائقها، فانصب في العبادة، وقم إليها نشيطًا فارغ البال وأخلص لربك النية والرغبة، قال ابن عباس وقتادة: فإذا فرغت من صلاتك {فَانصَب} أي: بالغ في الدعاء وسله حاجتك.
قَالَ ابنُ مَسعُودٍ: فَإِذَا فَرَغْتَ مِنَ الفَرَائِضِ، فَانْصَبْ فِي قِيَامِ اللَّيلِ. اهـ.
قَولُهُ تَعَالَى: {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب (8)}، قال الثوري: اجعل نيتك ورغبتك إلى الله عزَّ وجلَّ.
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
¬_________
(¬1) أي: شق صدري إلى كذا وكذا.
(¬2) «صحيح البخاري» (برقم 3207)، و «صحيح مسلم» (برقم 164) واللفظ له.
(¬3) «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (22/ 357 - 358).
(¬4) «تفسير ابن سعدي» (ص888).
(¬5) قطعة من حديث في «مسند الإمام أحمد» (5/ 19) (برقم 2803)، وقال محققوه: حديث صحيح.
(¬6) «تفسير القرطبي» (22/ 358).