[عودة] الكلمة السابعة والثمانون: من مشاهد القيامة

الكلمة السابعة والثمانون: من مشاهد القيامة
القنطرة بين الجنة والنار
الحَمدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبَعدُ:
فقد روى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: «يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا» (¬1).
قَولُهُ صلى اللهُ عليه وسلم: «يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ»: أي: بعدما ينجون من الصراط الذي يمرون عليه بحسب أعمالهم، قال القرطبي: «هؤلاء المؤمنون هم الذين علم الله أن القصاص لا يستنفذ حسناتهم» (¬2). اهـ، لأنه إذا استنفذ القصاص حسناتهم لم يبق لهم حسنات يدخلون بها الجنة.
وقال ابن حجر: «لعل أصحاب الأعراف منهم على القول المرجح وهم الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم، وخرج من هذا صنفان من المؤمنين: من دخل الجنة بغير حساب، ومن أوبقه عمله» (¬3).
قَولُهُ صلى اللهُ عليه وسلم: «فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ»: القنطرة هي جسر مقوس مبني فوق النهر يُعبر عليه (¬4).
قد يقول قائل: كيف القنطرة وكيف يكون القصاص فيها، وهل هناك قصاص آخر غير القصاص الذي في عرصات يوم القيامة؟ الجواب عن ذلك: أن هذه أمور غيبية نؤمن بها ولا نطلب العلم بكيفيتها، فلا نعلم كيفية الصراط وحقيقته، ولا القنطرة، وكيف يحبسون عليها؟ فحقائق الآخرة لا يعلمها إلا الله، وسيدرك الناس ذلك يوم القيامة إذا رأوا هذه الأمور وعاينوها.
قال ابن كثير: «القنطرة تكون بعد مجاوزة النار، فقد تكون هذه القنطرة منصوبة على هول آخر مما يعلمه الله، ولا نعلمه نحن. والله أعلم» (¬5).
قال ابن حجر: «وقد اختلف العلماء هل القنطرة هي طرف الجسر الذي على متن جهنم أو هي جسر مستقل، ورجح القرطبي الثاني» (¬6).
قَولُهُ صلى اللهُ عليه وسلم: «فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ»: قال الشيخ ابن عثيمين: «وهذا القصاص غير القصاص الأول الذي في عرصات القيامة؛ لأن هذا قصاص أخص لأجل أن يذهب الغل، والحقد، والبغضاء التي في قلوب الناس فيكون هذا بمنزلة التنقية، والتطهير، وذلك لأن ما في القلوب لا يزول بمجرد القصاص، فهذه القنطرة التي بين الجنة والنار لأجل تنقية ما في القلوب حتى يدخلوا الجنة وليس في قلوبهم غل» (¬7). كما قَالَ تَعَالَى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِين (47)} [الحجر: 47].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «النفوس الخبيثة لا تصلح أن تكون في الجنة الطيبة التي ليس فيها من الخبث شيء، فإن ذلك موجب للفساد أو غير ممكن، بل إذا كان في النفس خبث طهرت، وهذبت حتى تصلح لسكنى الجنة، والتهذيب التخليص كما يهذب الذهب فيخلص من الغش، يشير إلى قَولُهُ صلى اللهُ عليه وسلم: «حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا» فتبين أن الجنة إنما يدخلها المؤمنون بعد التهذيب والتنقية من بقايا الذنوب، فكيف بمن لم يكن له حسنات يعبر بها الصراط» (¬8). اهـ
فإذا دخل المؤمنون الجنة توجهوا إلى قصورهم ومنازلهم فرحين بما أعطاهم الله، يعرفون مواضعها، ويستدلون على مكانها أكثر مما يستدلون على بيوتهم في الدنيا.
ومن فوائد الحديث:
1 - عدل الله التام: فلا يدخل المؤمن الجنة وله مظلمة عند أخيه، روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ أُنَيْسٍ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - أَوْ قَالَ: الْعِبَادُ - عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا، قَالَ: قُلْنَا: وَمَا بُهْمًا؟ قَالَ: لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مِنْ [بُعْدٍ كَمَا يَسْمَعُهُ مِنْ] قُرْبٍ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ، وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ، حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ، حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، حَتَّى اللَّطْمَةُ، قَالَ: قُلْنَا: كَيْفَ، وَإِنَّا إِنَّمَا نَاتِي اللهَ عزَّ وجلَّ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا؟ قَالَ: بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ» (¬9). بل حتى البهائم يقتص من بعضها البعض، روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَة رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» (¬10).
2 - أنه يجب على المؤمن أن يحرص على براءة ذمته من حقوق الآخرين وأن يتحلل منهم قبل يوم القيامة حيث لا درهم، ولا دينار، وإنما هي الحسنات والسيئات، روى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَحَدٍ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ، وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» (¬11).
3 - أن الجنة لا تدخلها نفس خبيثة وإنما نفس طيبة، قَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون (32)} [النحل: 32].
4 - أن من لوازم نعيم الجنة ذهاب ما في القلوب من الغل، والحقد والبغضاء حتى تكتمل اللذة، وتحصل السعادة، قَالَ تَعَالَى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ} [الأعراف: 43].
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
¬_________
(¬1) «صحيح البخاري» (برقم 6535).
(¬2) «التذكرة» (ص292).
(¬3) «فتح الباري» (11/ 399).
(¬4) «المعجم الوسيط» (ص762).
(¬5) «البداية والنهاية» (20/ 101).
(¬6) «فتح الباري» (11/ 399).
(¬7) «شرح العقيدة الواسطية» لشيخ الإسلام ابن تيمية (2/ 163).
(¬8) «مجموع الفتاوى» (14/ 345).
(¬9) «مسند الإمام أحمد» (25/ 432) (برقم 16042)، وقال محققوه: إسناده حسن.
(¬10) «صحيح مسلم» (برقم 2582).
(¬11) «صحيح البخاري» (برقم 2449).