[عودة] الكلمة الرابعة والخمسون: محظورات الإحرام

الكلمة الرابعة والخمسون: محظورات الإحرام
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فإن من أراد العمرة أو الحج فإن عليه أن يتجنب محظورات الإحرام، والمقصود بها الأشياء التي تحرم بالدخول في النسك، وهي:
أولاً: إزالة الشعر من الرأس بحلق أو غيره: وألحق به جمهور أهل العلم شعر بقية الجسد لأن كل ذلك أخذه من التَّرَفُّهِ، ومن الأَدِلَّةِ على ذلك قوله تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196]. وأما اللحية فإن حلقها حرام في حال الإحرام وغيره لما في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي اللهُ عنهما أن النبي صلى اللهُ عليه وسلم قال: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَوْفُوا اللِّحَى» (¬1).
ثانياً: تقليم الأظافر: قال ابن المنذر في الإجماع، وأجمعوا على أن المُحْرِمَ ممنوعٌ من أَخْذِ أَظْفَارِهِ (¬2)، وقال ابن كثيرٍ في تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} قال ابن عباس رضي اللهُ عنهما: «هو وضع الإحرام من حلق الرأس ولبس الثياب وقص الأظافر ونحو ذلك» (¬3)، وألحقه جمهور العلماء بحلق الشعر بجامع التَّرَفُّهِ.
ثالثاً: استعمال الطيب بعد الإحرام: فَيُمْنَعُ المُحْرِمُ من استعمال الطِّيبِ في بَدَنِهِ، أو ثوبه، لحديث ابن عمر رضي اللهُ عنهما في الصحيحين فيما يُمنع منه المحرم من اللباس وفيه: «وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ وَرْسٌ» (¬4)، وحديث ابن عباس رضي اللهُ عنهما أن رجلاً كان مع النبي صلى اللهُ عليه وسلم فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى اللهُ عليه وسلم: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَاسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» (¬5).
فهذه الأحاديث تدل على أن المحرم لا يستعمل الطيب في حال إحرامه لأنه من الترفه، وله قبل الإحرام أن يستعمل الطيب في بدنه دون لباسه ولا يضره بقاء ذلك بعد إحرامه وهذا يدخل تحت قاعدة: «يجوز في الاستدامة ما لا يجوز في الابتداء»، ويدل لذلك حديث عائشة رضي اللهُ عنها قالت: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّه صلى اللهُ عليه وسلم لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» (¬6). ولحديثها الآخر: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفْرِقِ النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم وَهُوَ مُحْرِمٌ» (¬7).
رابعاً: تغطية المحرم رأسه ووجهه بملاصق: للحديث السابق فيما يمنع المحرم من اللباس وفيه: «وَلَا يَلْبَسُ الْقُمُصَ وَلَا الْعَمَائِمَ» (¬8)، وحديث ابن عباس رضي اللهُ عنهما في الذي وقصته ناقته وهو محرم قال: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَاسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» (¬9).
وأما الاستظلال بغير ملاصق كالشمسية، وسقف السيارة، أوالخيمة، أوغير ذلك فلا حرج فيه، ففي صحيح مسلم أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَبِلَالًا رضي اللهُ عنهما كَانَا مَعَ النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم أَثْنَاءَ رَمْيِ جَمْرَةِ العَقَبَةِ، أَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ وَالآخَرُ رَافِعٌ ثَوبَهُ يَسْتُرُهُ مِنَ الحَرِّ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ (¬10).
ولحديث جابر رضي اللهُ عنه في صفة حج النبي صلى اللهُ عليه وسلم، وفيه: أنه صلى اللهُ عليه وسلم نزل في القبة التي ضُربت له بنمرة حتى زاغت الشمس (¬11).
خامساً: لبس المخيط: فلا يجوز للذَّكَر أن يلبس مخيطاً على جملته، يعني على هيئته التي فُصِّلَ وَخِيطَ عَلَيهَا كالقميص، أو على بعضه كالفانلة والسراويل والخفين والجوربين لقول النبي صلى اللهُ عليه وسلم: «لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الْقَمِيصَ وَلَا الْعِمَامَةَ وَلَا الْبُرْنُسَ وَلَا السَّرَاوِيلَ» (¬12). إلا إذا لم يجد إزاراً جاز له لبس السراويل، وكذا من لم يجد نعلين جاز له لبس الخفين من غير قطع لحديث ابن عباس رضي اللهُ عنهما الثابت في الصحيحين أن النبي صلى اللهُ عليه وسلم قال: «مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَاراً فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ» (¬13).
ويحرم على المرأة المحرمة أن تلبس مخيطاً لوجهها كالبرقع، والنقاب، أو ليديها، كالقفازين لقول النبي صلى اللهُ عليه وسلم: «لَا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسِ الْقُفَّازَيْنِ» (¬14)، والقُفَّازان هما ما يخاط أو ينسج من الصوف، أو القطن، أو غيرهما على قدر اليدين، ويُباح لها من المخيط ما سوى ذلك كالقميص والسراويل والخفين والجوارب ونحو ذلك، وكذلك يباح لها سدل خمارها على وجهها إذا احتاجت إلى ذلك بلا عصابة، وإن مس الخمار وجهها فلا شيء عليها لحديث فاطمة بنت المنذر أنها قالت: «كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ، وَنَحْنُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ» (¬15).
سادساً: قتل صيد البر: لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 95]، وقوله سبحانه: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96]، وقوله: {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ} [المائدة: 1]، وقوله: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2].
وهذه الآيات تدل على أن المحرم من حين دخوله في الإحرام بالحج أو العمرة إلى تحلله يجب عليه الامتناع من قتل صيد البر، بل لا يجوز له المساعدة في قتله ولا دلالة غير المحرم عليه، لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ بَعضِ الصَّحَابَةِ فِي سَفَرٍ وَهُم مُحرِمُونَ، وَهُوَ غَيرُ مُحرِمٍ، فَرَأَوا حُمُرَ وَحْشٍ، فَحَمَلَ عَلَيهَا أَبُو قَتَادَةَ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَاناً، وَأَكَلُوا مِنهَا، وَفِيهِ: ثُمَّ قُلنَا: أَنَأكُلُ لَحْمَ صَيدٍ وَنَحنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى اللهُ عليه وسلم: «أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟»، قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا» (¬16).
سابعاً: عقد النكاح أو الخطبة: فلا يتزوج المحرم ولا يزوج غيره بولاية ولا وكالة ولا يخطب النساء، لما ثبت عن النبي صلى اللهُ عليه وسلم أنه قال: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ وَلَا يَخْطُبُ» (¬17).
ثامناً: وطء يوجب الغسل: لقوله تعالى: {فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197]، والرفث: هو الجماع كما في قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ} [البقرة: 187]. فمن جامع قبل التحلل الأول متعمداً فسد نسكه.
تاسعاً: المباشرة فيما دون الفرج قبل التحلل الأول بتقبيل أو غيره: وفي هذه الحالة لا يفسد نسكه ولكن قد ارتكب مُحَرَّماً ويجب عليه التوبة والاستغفار، وأوجب بعض أهل العلم الفدية عليه.
ومن فعل إحدى المحظورات الخمس السابقة فإن حاله لا يخلو من ثلاث:
الأول: أن يفعل المحظور بلا عذر ولا حاجة، فهذا آثم وعليه الفدية.
الثاني: أن يفعل المحظور لحاجة إلى ذلك، فعليه الفدية ولا إثم عليه، لقوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196]. ولما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث كعب بن عجرة رضي اللهُ عنه: أن رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم رَآهُ وَأَنَّهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ القَمْلُ، فَقَالَ: «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟»، قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِقَ وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ أَنَّهُمْ يَحِلُّونَ بِهَا، وَهُمْ عَلَى طَمَعٍ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْفِدْيَةَ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى اللهُ عليه وسلم أَنْ يُطْعِمَ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةٍ أَوْ يُهْدِيَ شَاةً أَوْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ (¬18).
الثالثة: أن يفعل المحظور: إما جاهلاً أو ناسياً أو مكرهاً، فلا إثم عليه، ولا فدية لقوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا} [البقرة: 286]. وفي الحديث عن النبي صلى اللهُ عليه وسلم أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (¬19)، لكن متى زال العذر فعلم بالمحظور، أو ذكره، أو زال إكراهه، أو استيقظ من نومه وجب عليه التخلي عن المحظور فوراً.
أما بقية المحظورات الأربعة الباقية فإنها تختلف بحسب كل حالة وهذه تراجع في كتب الفقه ففيها تفصيل ذلك (¬20).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
¬_________
(¬1) برقم 5893 وصحيح مسلم 259 واللفظ له.
(¬2) الإجماع ص57.
(¬3) تفسير ابن كثير (10/ 48).
(¬4) برقم 1542 وصحيح مسلم برقم 1177.
(¬5) برقم 1851 وصحيح مسلم برقم 1206.
(¬6) برقم 1538 وصحيح مسلم برقم 1189.
(¬7) برقم 271 وصحيح مسلم برقم 1190.
(¬8) صحيح البخاري برقم 1542 وصحيح مسلم برقم 1117.
(¬9) سبق تخريجه.
(¬10) برقم 1298.
(¬11) صحيح مسلم برقم 1218.
(¬12) صحيح البخاري برقم 134 وصحيح مسلم برقم 1177.
(¬13) برقم 5852 وصحيح مسلم برقم 1177.
(¬14) صحيح البخاري برقم 1838.
(¬15) موطأ مالك ص213 حديث رقم 973 وأخرجه الحاكم في المستدرك (2/ 104) برقم 1711 وصححه ووافقه الذهبي وقال محققه سنده صحيح.
(¬16) صحيح البخاري برقم 1824 وصحيح مسلم برقم 1196.
(¬17) صحيح مسلم برقم 1409.
(¬18) برقم 1817 وصحيح مسلم برقم 1201.
(¬19) سنن ابن ماجه برقم 2045 وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (1/ 348) برقم 1664.
(¬20) التحقيق والإيضاح للشيخ ابن باز ص33 - 39، صفة الحج للشيخ ابن عثيمين ص33 - 37، تبصير الناسك بإحكام المناسك للشيخ عبد المحسن البدر ص49 - 65، والعمرة والحج والزيارة للشيخ سعيد القحطاني ص80 - 91، وكيف يحج المسلم ويعتمر للشيخ عبد الله الطيار ص42 - 45.