[عودة] الكلمة المئة وسبع وعشرون: خطر التلفاز

الكلمة المئة وسبع وعشرون: خطر التلفاز
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
فحديثنا هذا اليوم عن فتنة دخلت كل بيت إلا من رحم الله؛ إنه التلفاز، ولعل الكلام فيه يكون في العناصر التالية:
أولاً: المخالفات الشرعية فيه.
ثانيًا: أقوال العلماء فيه.
ثالثًا: شبهات والجواب عنها.
رابعًا: الحل.
فمن تلك المخالفات الشرعية: ما يتعلق بأمور العقيدة، وهو أخطر ما يكون، فهو يعرض صور الكفار وحضارتهم بطريقة تدعو إلى الإعجاب بهم، والميل إليهم، وبالتالي يضعف جانب البراءة من المشركين والكفار المأمور به في الآيات الكريمات، والأحاديث النبوية الشريفة، قال تعالى: {لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ المُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22].
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث البراء بن عازب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ أَوْثَقَ عُرَى الإِيْمَانِ أَنْ تُحِبَّ فِي اللهِ وَتُبْغِضَ فِي اللهِ» (¬1).
ومنها: إظهار بعض الشعائر الإسلامية بصور كريهة، كوضع اللحية على رجل ناقص العقل، وتشويه صورة الحجاب، ولمز الصالحين وأهل الخير، ونحو ذلك مما فيه استهزاء بشعائر الإسلام، قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 65 - 66].
ومنها: ما يسمى بأفلام الكرتون، وتعرض هذه الأفلام بطريقة خبيثة يتلقى فيها الأطفال ما يخالف العقيدة الإسلامية، والآداب الفاضلة، من الكفر والضلال والعشق، فقد ذكرت الأخت طيبة اليحيى في كتابها «بصمات على ولدي»، بعد مشاهدتها لعدد من برامج الأطفال ما خلاصته: «أن هذه البرامج تحتوي على مخالفات شرعية كثيرة، مثل صور الصليب، والتبرج، والاختلاط، وسماع الموسيقى، وشرب الدخان»، وفيها يقول أحدهم وهو يخاطب زميله: كما كنت حين صنعتك، وكأنه الخالق الذي يخلق البشر، وقول آخر: «إن نظامهم يسيطر على كل المجرات في الكون ما خلا المجموعة الشمسية»، وهذا كفر، فنظام من ذلك الذي يسيطر على كل المجرات تلك السيطرة إلا ناموس الخالق جل وعلا. وينبغي على الآباء أن يعلموا الأبناء أن أكثر برامج التلفاز، وخاصة المسلسلات والأفلام، وحتى الكارتونية منها مصدرها الدول الأجنبية (الكافرة) المعادية للإسلام والمسلمين، والتي لا شيء أحب إلى قلبها من إفساد المسلمين، وصرفهم عن دينهم وخلقهم وتراثهم الخير، حتى يبقوا دائمًا وأبدًا تحت سيطرتهم، مع إعلامهم أن اليهودية العالمية هي التي تسيطر على جميع وسائل الإعلام، والوكالات في الغرب، لذلك لا تقدم لنا إلا الشر بأثواب براقة خداعة (¬2).
وغير ذلك من المخالفات الكثيرة، مما يقدح في عقيدة الطفل وسلوكه وأخلاقه.
ومن المخالفات الشرعية الأخرى تصوير الاختلاط بين الرجال والنساء، على أنه أمر عادي لا حرمة فيه عن طريق المسلسلات، وقصص الحب والغرام، وهذا يؤدي إلى نشر الفاحشة والرذيلة، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [النور: 19].
والمؤمن مأمور بغض البصر عن النساء الأجنبيات، قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30].
روى مسلم في صحيحه من حديث جرير بن عبد الله قال: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ؟ فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي» (¬3).
فكيف بمن يتعمد النظر إلى النساء العاريات وهن بكامل زينتهن على شاشة التلفاز، وكذلك رؤية النساء للرجال الأجانب وهم بكامل زينتهم، قال تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} [النور: 31].
ومنها: الغناء المصحوب بالمعازف، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [لقمان: 6].
وأكثر المفسرين كابن عباس وابن مسعود على أنه الغناء.
روى البخاري في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ، وَالْحَرِيرَ، وَالْخَمْرَ، وَالْمَعَازِفَ» (¬4).
أقوال العلماء فيه: سئل المشايخ عبد الله بن حميد، وعبد العزيز ابن باز، وابن عثيمين رحمهم الله عن التلفاز، هل هو حرام أو حلال؟ فأجابوا بأن التلفاز آلة لا نستطيع أن نحرمها، تستخدم للخير أو الشر، فإن استخدم التلفاز في محرم، مثل الغناء الماجن، وإظهار صور فاتنة، وتمثيليات هابطة، فيها كذب وخيانات زوجية، واختلاط بين الرجال والنساء، ومسلسلات بوليسية إجرامية، فإنه حرام، وإن استعمل في الخير كقراءة القرآن، وإبانة الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فذلك جائز، وإن تساوى الأمران، أو غلب جانب الشر كما هو الحال الآن، فهو حرام (¬5).
وسئلت اللجنة الدائمة عن التلفاز، فقالوا: إنه آلة تستخدم للخير والشر، بحسب الحال التي تستخدم فيه، ولكن الأحوط ترك إدخاله، لأنه قد يكون وسيلة إلى سماع ما يحرم، وذريعة إلى رؤية ما تنشأ منه فتنة من الصور العارية، وحركاتها الفاتنة (¬6).
شبهات والجواب عنها:
قد يقول قائل: ما هو البديل للتلفاز؟
وهذا هو الخطأ الفادح، وهو مطالبة المسلم دائمًا بالبدائل في كل شيء منع منه، وحرم عليه، مع أن الواجب على المسلم أن يقول: سمعنا وأطعنا، قال تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} [النور: 51].
والبدائل كثيرة، منها: حلقات تحفيظ القرآن الكريم، أو المحاضرات القيمة التي تقام في المساجد أو المؤسسات الخيرية، أو شراء الكتب النافعة، أو الأشرطة المفيدة، أو المسابقات الثقافية، وغير ذلك من البدائل التي لا تخفى على الجميع.
ومن الشبهات كذلك: قول بعضهم: إنه يشاهد في هذا التلفاز الصلاة في الحرم المكي، والبرامج الدينية، والأخبار، فيقال: إن هذا موجود في إذاعة القرآن الكريم، وأفضل منه، وقد نصح الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله بالاستماع إليها.
ومنها قول بعضهم: أعلم أن التلفزيون بوضعه الحالي لا يجوز بقاؤه في بيتي، ولكن إذا لم أحضره للأولاد ذهبوا يشاهدونه عند الجيران، أو في أماكن أخرى، فيقال:
أولاً: إن المنكر لا يزال بمنكر مثله، بل ينبغي أن تبين لهم أن المشاهدة لتلك البرامج حرام هنا وعند الجيران.
ثانيًا: المنكر المترتب على اقتناء التلفزيون في البيت أعظم من المنكر المترتب على ذهابهم للمشاهدة عند الجيران؛ لأن ذهابهم عند الجيران سيقتصر على أوقات محدودة، أما وجوده في البيت فسوف يسهل لهم رؤية المنكرات في كل وقت.
أخيرًا: تذكر يا عبد الله أن الموت قد يأتيك بغتة، وهذا الجهاز في بيتك، واسمع إلى هذا الحديث الذي تفزع لهوله القلوب، وتشيب منه الرؤوس، وترتعد منه الفرائص: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث معقل بن يسار - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلاَّ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» (¬7).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
¬_________
(¬1) سبق تخريجه.
(¬2) انظر: (ص57، 67، 81) من كتاب الأخت طيبة اليحيى.
(¬3) سبق تخريجه.
(¬4) سبق تخريجه.
(¬5) انظر: رسالة الجواب المفيد في حكم التصوير، للشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله، وبها ملحق عن حكم التلفاز.
(¬6) انظر: فتاوى اللجنة الدائمة (26/ 271 - 272) برقم (2133).
(¬7) سبق تخريجه.