[عودة] الكلمة المئة وإحدى عشرة: الحور العين

الكلمة المئة وإحدى عشرة: الحور العين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
فإن من أعظم نعيم الجنة الذي وعد الله به المؤمنين، مما تشتاق إليه النفوس، وتهفو إليه القلوب، الحور العين، فقد وصفهن الله بأحسن الصفات، وحلاهن بأجمل الحلي، وشوق الخطّاب إليهن، حتى كأن المؤمنين يرونهن رأي العين، قال تعالى: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ * فَبِأَيِّ آَلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كَأَنَّهُنَّ اليَاقُوتُ وَالمَرْجَانُ} [الرحمن: 56 - 58].
قال الحسن وعامة المفسرين: «في صفاء الياقوت، وبياض المرجان» (¬1).
وقال تعالى: {وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ} [الواقعة: 22 - 23].
وقال تعالى: {إِنَّا أَنْشَانَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لأَصْحَابِ اليَمِينِ} [الواقعة: 35 - 38].
والحور جمع حوراء، وهي المرأة الشابة الحسناء الجميلة البيضاء، شديدة سواد العين، قالت عائشة رضي الله عنها: «البياض نصف الحسن». وقال عمر - رضي الله عنه -: «إذا تم بياض المرأة في حسن شعرها، فقد تم حسنها».
والعرب تمدح المرأة بالبياض، قال الشاعر:
بيضٌ أَوَانسُ ما هممن بريبةٍ ... كظِباءِ مكةَ صيدُهنَ حرامُ
يُحسبن مِن لِين الحديثِ زوانيا ... ويَصدُهنَ عن الخَنَا الإسلامُ

قوله: {عُرُبًا} في الآية الكريمة، العرب جمع عروب، وهي التي جمعت إلى حلاوة صورتها، حسن التأني والتبعل والتحبب إلى الزوج بدلها وحديثها، وحلاوة منطقها، وحسن حركاتها. وذكر المفسرون في تفسير العرب بأنهن العواشق المتحببات، الغنجات، الشكلات، المتعشقات، الغلمات، المغنوجات، كل ذلك من ألفاظهم (¬2).
قوله {أَتْرَابًا}: قال ابن عباس: وسائر المفسرين: مستويات على سن واحد، بنات ثلاث وثلاثين سنة (¬3).
وقد أودع سبحانه في الحور العين من حسن الخَلق والخُلُق، وجمال الصورة، ورقة البشرة ما يبهر العقول، وتعجز الألسن عن وصفه.
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الجَنَّةَ صُوْرَتُهُم عَلَى صُوْرَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، لاَ يَبْصُقُوْنَ فِيْهَا، وَلاَ يَتَمَخَّطُونَ، وَلاَ يَتَغَوَّطُونَ، آنِيَتُهُم فِيْهَا الذَّهَبُ، أَمْشَاطُهُم مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ، وَرَشْحُهُمُ المِسْكُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم زَوْجَتَانِ، يُرَى مُخُّ سُوْقِهِمَا مِن وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنَ الحُسْنِ، لاَ اخْتِلاَفَ بَيْنَهُم وَلاَ تَبَاغُضَ، قُلُوْبُهُم قَلبٌ وَاحِدٌ، يُسَبِّحُوْنَ اللهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا» (¬4).
وروى البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه -، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَرَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ غَدْوَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوْ مَوْضِعُ قِيدٍ -يَعْنِي سَوْطَهُ - خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا وَلَمَلأَتْهُ رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا - يَعنِي الخِمَارَ - عَلَى رَاسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» (¬5).
والحور العين مطهرات من كل أذى وقذر ظاهرًا وباطنًا، قال تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 25].
قال جمع من المفسرين: المطهرة من طهرت من الحيض والبول، والنفاس، والغائط، والمخاط، والبصاق، وكل قذر وأذى مما يكون في نساء الدنيا (¬6).
قال ابن القيم رحمه الله: فطهر مع ذلك باطنها من الأخلاق السيئة، والصفات المذمومة، وطهر لسانها من الفحش والبذاء، وطهر طرفها من أن تطمح به إلى غير زوجها، وطهرت أثوابها من أن يعرض لها دنس أو وسخ (¬7).
وإن من أعظم ما أتحف الله به عباده في دار كرامته، زواجهم من الحور العين، فبهذا الزواج تتحقق السعادة وتكتمل اللذة، قال تعالى: {مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ} [الطور: 20]. وقال سبحانه: {إِنَّ أَصْحَابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ} [يس: 55 - 56].
قال عبد الله بن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم وغيرهم: «شغلهم افتضاض الأبكار» (¬8).
روى البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ لِلمُؤْمِنِ فِي الجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِن لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ، طُولُهَا سِتُّوْنَ مِيْلاً، لِلمُؤْمِنِ فِيْهَا أَهْلُوْنَ، يَطُوْفُ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُ، فَلاَ يَرَى بَعْضُهُم بَعْضًا» (¬9).
وهذه الخيام غير الغرف والقصور التي في الجنة، فذاك نعيم آخر، روى الطبراني في المعجم الصغير من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قِيَلَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، هَل نَصِلُ إِلَى نِسَائِنَا فِي الجَنَّةِ؟ فَقَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَصِلُ فِي اليَوْمِ إِلَى مِئَةِ عَذْرَاءَ» (¬10).
والحور العين يشتقن إلى أزواجهن من المؤمنين، فتدعو الواحدة منهن على من يتعرض لزوجها في الدنيا، فكيف إذا قدم عليها وبشرت بذلك، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه -: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لاَ تُؤْذِي امْرَأَةٌ زَوْجَهَا فِي الدُّنْيَا إِلاَّ قَالَتْ زَوْجَتُهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ: لاَ تُؤْذِيهِ قَاتَلَكِ اللهُ، فَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَكِ دَخِيلٌ، يُوشِكُ أَنْ يُفَارِقَكِ إِلَيْنَا» (¬11).
وعرائس الجنان من الحور العين لا يزددن مع مرور الدهور والأحقاب إلا حسنًا وجمالاً، وحبًا وتوددًا لأزواجهن في الجنة.
روى مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا يَاتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ، فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ، فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالاً، فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ وَقَدِ ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَمَالاً، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: وَاللهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالاً، فَيَقُولُونَ: وَأَنْتُمْ وَاللهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالاً» (¬12).
والصالحون في هذه الدار بعدما علموا ما جاء في كتاب ربهم وسنة نبيهم في شأنهن - أي الحور العين - يكونون في أشد الشوق والحب إليهن، مما له أكبر الأثر في إقبالهم على طاعة مولاهم، وأن يقر أعينهم بهن، قال ربيعة بن كلثوم: نظر إلينا الحسن ونحن شباب، فقال: يا معشر الشباب، أما تشتاقون إلى الحور العين؟ (¬13).

قال ابن القيم رحمه الله:
يا خَاطِبَ الحُور الحسانِ وطالبًا ... لوصَالهن بِجنةِ الحيوان
لو كُنتَ تدْري من خَطَبتَ ومن طلبْـ ... ـتَ بذلتَ ما تَحوي مِن الأثمان
أو كُنْتَ تدري أينَ مسكنها جَعْـ ... ـلت السعيَ مِنكَ لها على الأجفان
ولَقدْ وصفتُ طريقَ مسكَنِها فإن ... رُمت الوِصَالَ فلا تكن بالوانِي
أَسْرع وحُث السيرَ جهدَكَ إنما ... مَسْراكَ هذَا ساعةُ لزمان
فاعْشق وحدثْ بالوصالِ النفسَ ... وابذلَ مهرَهَا ما دمتَ ذا إمكان
واجْعل صيامَكَ قَبل لُقياها ويـ ... ـومَ الوصلِ يومَ الفطرِ من رمضان
واجْعل نُعوتَ جَمَالها الحادي وِسر ... تلْقى المخَاوفَ وهيَ ذات أمان

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
¬_________
(¬1) تفسير ابن كثير (13/ 334).
(¬2) بدائع التفسير (4/ 354).
(¬3) تفسير ابن كثير (13/ 376).
(¬4) البخاري برقم (3245)، ومسلم برقم (2834).
(¬5) البخاري برقم (2796)، وأخرج مسلم أوله برقم (1880)، والغدوة الذهاب أول النهار للغزو في سبيل الله، والروحة الذهاب آخره للغزو في سبيل الله.
(¬6) تفسير ابن كثير (1/ 322 - 323).
(¬7) بدائع التفسير (1/ 297).
(¬8) تفسير ابن كثير (11/ 369).
(¬9) البخاري برقم (3243)، ومسلم برقم (2838).
(¬10) (2/ 68) برقم (795) وقال الحافظ أبو عبدالله المقدسي: هذا الحديث عندي على شرط الصحيح، تفسير ابن كثير (13/ 375).
(¬11) (36/ 417) برقم (22101) وقال محققوه: إسناده حسن، والدخيل الذي يرحل سريعاً.
(¬12) برقم (2833).
(¬13) انظر: رسالة (بشرى المحبين بأخبار الحور العين) للشيخ سعد الحمدان.